إضافة تعليق
ربع السكان ولديهم جيش

اعداد: ابراهيم درويش
عن الاصولية المسيحية
تري الباحثة البريطانية في مقارنة الاديان كارين ارمسترونغ في كتابها المعركة من اجل الله: الاصولية في اليهودية والمسيحية والاسلام النزوع نحو الاصولية بدأ تحديدا مع الحرب العالمية الاولي اذ ان عام 1913 كان حدثا استثنائيا في مسار الحداثة الاوروبية، ذلك انها تركت اثارها علي العقلية الغربية التي فقدت بوصلتها او كما عبر الشاعر الايرلندي ييتس فان العالم كان يشير نحو طريق لا مجال لتخيله، وهو طريق يشبه العودة الثانية للمسيح ولكن بفارق وحيد ان هذه العودة لا تشير الي انتصار الاخيار والسلام ولكن ولادة عالم متوحش حقير. ومن هنا فان المنعطف الحاسم في موقف الكنيسة الامريكية من اشكالية العودة للاصول حدث حينما القي الباحث في تاريخ الاديان البروفيسور تشارلس اليوت عام 1909 محاضرة في جامعة برنستون تحت عنوان ( مستقبل الدين)، وعرف اليوت الدين باعتباره الاعتقاد القائم علي اساس الحب، ولا مكان فيه للتعاليم والشعائر او حتي الكنائس، كما تحدث عن الحقيقة واحتكارها، حيث قال ان المسيحيين ليس لهم احتكار مطلق علي الحقيقة. رد فعل المعسكر المسيحي المحافظ علي الدعوة كان متطرفا اذ لا يتصور المسيحيون الدين بدون تعاليم مقدسة او معصومة، وكرد علي ذلك قامت جماعة البريسبيتريان في برنستون بتقديم برنامج المبادئ الخمسة حول عصمة الدين المسيحي، وفي الوقت نفسه قام بارون النفط الامريكي ميلتون ستيورات الذي دعم اقامة كلية الانجيل في لوس انجليس بدعم برنامج لاصدار مجموعة من المنشورات التي صدرت في الفترة ما بين 1910 ـ 1915 وحملت عنوان الاصول ، حيث قام فيها باحثون خبراء بالدين المسيحي بتقديم تعريفات للمؤمن المسيحي في قضايا تتعلق بالتثليث، او انتقاد حركة النقد العالي، والتركيز علي اهمية نشر الحقيقة التي يدعو اليها الانجيل. تقول الباحثة ان هذه المنشورات التي بلغت اثني عشر منشورا لم تثر في ذلك الوقت اي اهتمام باعتبارها منشورات تثقيفية لا غير.
التحول الخطير في مسار الفكر الاصولي البروتستانتي بدأ في اثناء الحرب العالمية الاولي والتي ادخلت في الحس الديني المحافظ نوعا من الخوف والرهاب، فالحرب العالمية الاولي تم تحليلها في المنظور الامريكي عبر مفهوم الصراع بين الخير والشر او المفهوم القيامي. ويبدو هذا واضحا في داخل اوساط جماعات الفكر القيامي الذين اخذوا يفسرون الحوادث العامة ضمن اطار الصراع، حتي وعد بلفور الذي اصدرته بريطانيا عام 1917 تم استقباله في اوساط القياميين بفرح وجذل شديدين. تحليل الحرب ضمن منظور الصراع بين الخير والشر فتح مجالا امام التنبؤات، اذ تم الحديث عن الثورة البلشفية باعتبارها القوة في الشمال التي ستهاجم مملكة الرب في اخر الزمن، كما قارن الدعاة المسيحيون اتباع هذا الاتجاه عصبة الامم بالمسيح الدجال.
ان هذه الرؤية تعززت من خلال الخوف الشديد والرهاب من التأثيرات الاجنبية ومن الكاثوليك وحركة النقد العالي للنص المقدس. في الاطار نفسه فان التفسير الذي قدمه المعسكر الليبرالي الديني للحرب وان تعرض مع التفسير القيامي الا انه أبرز العديد من مخاوف هذا المعسكر حول الحرب ودورها بتحدي رؤيتهم لعالم متقدم يسير نحو مملكة الله. ومن هنا قاموا بانتقاد مناخ الخوف والرهاب الذي خلقه القياميون، وعليه وجه الليبراليون نقدهم لهذه الجماعة خاصة معاهد الانجيل ، وركزوا في هذا الاتجاه علي معهد مودي للانجيل.
هذا الانتقاد نقل المعركة لداخل المعسكر الديني نفسه، والذي ادي لولادة الجمعية المسيحية الاصولية العالمية عام 1919، حيث قامت الجمعية بهجمة علي الليبراليين وحاولت اقتلاعهم من داخل المجال الديني. ان الصراع بين الليبراليين والاصوليين تمركز في شمال الولايات المتحدة، لان الجنوب لم يكن بحاجة لأن يكون اصوليا، فقد حافظت الجماعات المسيحية فيه علي نزعتها المحافظة واتخذت موقفا واضحا من المجموعة الشمالية. ولكن الجو المحافظ المتمركز حول الذات في هذه الولايات لم يكن غريبا عن الخوف الذي يصيب اي مجتمع مغلق، فقد وجد الجنوبيون في تدريس نظريات النشوء والارتقاء التي دعا اليها داروين خطرا شديدا علي المجتمع، ومن هنا اعلنوا الحرب علي هذه النظرية ومنعوا تدريسها في المدارس الجنوبية.
وتقول ارمسترونغ ان هناك عاملا مشتركا بين الجماعات التي لا تكون المستفيد الوحيد من الحداثة وغالبا ما تقوم هذه الجماعات بتقديم مدخل يؤكد علي حاجة الانسانية للروحية، يتسم بالاقتصارية او بالهامشية في عالم تتسيده العلمانية. وضمن هذا الخط يمكن فهم موقف الجماعات الاصولية الامريكية من قضايا العالم. والبحث عن دور وتاريخ الاصولية المسيحية، خاصة الامريكية وان بات موضوعا مطروحا للنقاش بسبب تجادله مع السياسة الامريكية الا ان دراسته ومعرفته باتت ضرورية في ضوء مواقف الادارة الامريكية الحالية من قضايا السياسة الخارجية، وضمن هذا السياق يطمح كتاب صدر عن مركز الزيتونة في العاصمة اللبنانية بيروت عن المسيحيين الانجيليين وتأثيرهم علي مراكز القرار الامريكي لتقديم رؤية جديدة، فمن المعروف ان الرئيس الامريكي جورج بوش اعتمد من خلال مدير حملته الانتخابية لعام 2006 كارل روف اذ يمثل المسيحيون الانجيليون ثقلا انتخابيا اسهم في اعادة انتخاب الرئيس بوش لولاية انتخابية ثانية وهو الذي كان يخشي ان يواجه مصيرا مثل والده جورج بوش الاب الذي خدم لولاية واحدة، والحديث عن دور المسيحيين الانجيليين وان كان سابقا لصعود اليمين المحافظ الذي كان وراء احتلال وتدمير العراق قديم خاصة في ضوء الفكر القيامي الذي يحمله اتباع هذا التيار فيما يتعلق بالارض المقدسة واقترابه من الصهيونية اليهودية، وحول هذه الفكرة يبدأ الكاتب محمد عارف زكاء الله كتابه الذي وان جاء بحجم صغير الا انه غني بالمعلومات ويري الكاتب ان الناخبين الامريكيين اختاروا في عام 2000 وهي المرة الاولي التي انتخبوا فيها المرشح الجمهوري جورج بوش ان يتجاوزوا سجل النمو والازدهار للاقتصاد الذي تحقق في عهد بيل كلينتون ويعطوا أصواتهم للشخص الذي استطاع أن يحول الأنظار باتجاه الخلاف القائم حول أخلاقيات الحكم. ويري المؤلف أن الناخبين الأمريكيين الذين يتركزون في الجنوب في الولايات التي تعرف بحزام الكتاب المقدس هي التي كانت مركز الثقل التي مكّنت بوش من الفوز. وعلي الرغم من أن الاقتصاد الأمريكي شهد تراجعاً خلال ولاية بوش الأولي، وانضم إلي نادي الفقراء في أثنائها أربعة ملايين وثلاثمائة ألف أمريكي، إلا أنه عاد وفاز بولاية ثانية وبغالبية أفضل. ولقراءة دور سكان حزام الانجيل المقدس يقدم زكاء الله ارضية تاريخية لنمو تأثيره من خلال العودة الي بدايات استيطان المهاجرين الأوروبيين في أمريكا ودوافعهم إلي ذلك، مشيراً إلي ظهور البروتستانتية، وما حصل لأتباعها من اضطهاد ديني في أوروبا دفعهم للهجرة إلي أمريكا، فضلاً عما حصل في أوروبا من حروب ونزاعات، ونزعات استكشافية وتجارية واستعمارية. ولاحظ المؤلف أن جماعات البيوريتانيين البروتستانت عندما هاجرت لأمريكا سمَّت هجرتها حجّاً وأن أفرادها عدّوا أنفسهم حجاجاً. ومن هنا ارتبط دخول المهاجرين الاوروبيين برحلة ماي فلوار (زهرة ايار) التي نقلت الحجاج الي العالم الجديد، والذي صار ضمن رواية النشوء بمثابة الارض الموعودة. ويلاحظ دارسو حركة الهجرة الي امريكا ان البيوريتان اختاروا التلال لاقامة مستوطناتهم تأكيدا لعزلتهم الدينية وحفاظا علي طهوريتهم، ويقول الكاتب هنا أن هؤلاء بعد أن نزلوا في ولاية ماساشوستس سنة 1620 أخذوا يغتصبون أراضي الهنود ويقتلونهم، مستندين إلي نصوص في الإنجيل.
وقد تميز أول مجتمع أمريكي أبيض بسيطرة البروتستانتية المحافظة، وبالتركيز علي الانضباط الذاتي والعمل الدؤوب، كما انتشرت فكرة الخلاص الشخصي للفرد من خلال جهوده.
امريكا مدينة فوق التلة تشع
حاول الأصوليون المسيحيون تقديم أمريكا باعتبارها أمة تقف في مواجهة باقي العالم حيث يرونها مدينة مُشعَّة فوق التلة ، أو الإمبراطورية الصالحة ، أو الأمل الأفضل الأخير للبشرية، وأنها أمة المخلِّص. وهي نفس الفكرة التي يحملها اليهود باعتبارهم النور علي الامم ومن هنا قدم المسيحيون الجدد في امريكا أنفسهم باعتبارهم امتداداً للبيوريتانيين الذي يسعون إلي استعادة صفاء الكنيسة الأولي، وبناء أمريكا كأمة مسيحية. غير أن التطورات والاكتشافات العلمية، ونشوء الدولة العلمانية الحديثة، وانتشار قيم المنفعة واللذة، والأفكار الداروينية، أضعفت دور الكنيسة، ودور الدين في حياة الناس. ولقد أدي ذلك إلي أن عدداً من رجال الدين البروتستانت طوروا استجابتهم للتحديات من خلال بلورة مذهب الإنجيلية الاجتماعية الذي تبلور في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، والتزم بتحسين الواقع الاجتماعي والتوفيق بين العلم والدين. وبينما كانت الإنجيلية الاجتماعية تزداد انتشاراً واتساعاً، حيث انضم إليها أغلب القساوسة وعلماء اللاهوت، فقد شهدت البروتستانتية المحافظة تراجعاً كبيراً. وقد هاجم العقلانيون الليبراليون البروتستانت المحافظين الأصوليين، واتهموهم بأنهم معادون للفكر وظلاميون وملتزمون بالتفسيرات البالية للإنجيل. ومع نهاية عشرينيات القرن العشرين كان قد ظهر انقسام دائم في البروتستانتية الأمريكية بسبب الخلاف بين الأصوليين المحافظين وبين الليبراليين الحداثيين.
قوانين ضد نظرية التطور
لم يكن الأصوليون مستعدين للاعتراف بضعفهم، واستجابة لضغوطهم مررت عدة ولايات القوانين المناهضة لنظرية التطور نظرية داروين مثل أركنساس، وفلوريدا، وميسيسبي، وأوكلاهوما، وتينيسي. غير أن الأصوليين لاحظوا أن طريقتهم تفتقر إلي المادة الفكرية، فانسحبوا من المشهد العام وأخذوا يركزوا علي الثقافة والتعليم.
انشغل الأصوليون المسيحيون بترتيب أوضاعهم الداخلية وركزوا علي التعليم وإعادة التنظيم حتي نهاية الحرب العالمية الثانية (سنة 1945). ثم بدأوا بالعودة إلي الحياة العامة واستقطاب الأتباع والمعجبين، وبرز نجم بيلي غراهام الذي دعاه ترومان للبيت الأبيض سنة 1950 ثم تتابعت زياراته للرؤساء المتعاقبين مثل أيزنهاور وجونسون ونيكسون.
ظل الأصوليون حتي ستينيات القرن العشرين متمسكين بمبدأ عدم التدخل في الشؤون السياسية، غير أن عدداً من التطورات دفعتهم لتغيير هذه السياسة، مثل: قرار إبطال سياسة الفصل العرقي في المدارس سنة 1954، ومنع المحكمة العليا لإقامة الصلوات في المدارس سنة 1962، وتشريع الإجهاض سنة 1973. بالإضافة إلي أن الفوضي الجنسية، وانتشار المخدرات، والفضائح السياسية (مثل ووترغيت)، وحرب فيتنام، كل ذلك أقنع الأصوليين بأن الوقت قد حان للنهوض وتصويب الأمور.
وقد خلص الأصوليون إلي أن الليبرالية هي نفسها مصدر كلّ هذه المشاكل، وأن الوضع لن يتحسّن إلا إذا أعيد للقيم التقليدية والأخلاقية مكانتها. ولكن كان عليهم قبل ذلك أن يعالجوا مشاكلهم الكبيرة، المتمثلة في الصورة السلبية التي يحملها الناس عنهم بحيث أصبحوا مثاراً للسخرية، وفي غيابهم عن أروقة السلطة، وفي افتقارهم للإمكانات الفكرية، وفي تضاؤل عدد مؤيديهم.
لم يقم التيار الأصولي المسيحي العام بردِّ فعل انفعالي متطرف، ولكنهم تبنوا استراتيجية الاندماج في النظام السياسي واستغلاله لصالحهم.
ركز الأصوليون علي الأطفال، وعلي تنظيم البرامج الشعبية الجذابة والمسلية، وأسسوا سنة 1945 منظمة شباب من أجل المسيح ، ولبسوا زيا موحدا، بدلة ملونة وملابس رياضية، وقدموا برامج ترفيهية، وقدَّموا شعارات مناسبة تحمل رسالتهم مثل حقيقة قديمة من أجل شباب عصري ، كما أظهروا حماسة وعاطفة وطنية كبيرة زادت من إعجاب الناس بهم، وتمكنوا من إثارة اهتمام الإعلام، وأصبحت مسابقاتهم سنة 1947 تجتذب نحو مليون شاب أسبوعياً.
وفي مواجهة الشيوعية قدم بيلي غراهام صورة المسيح باعتباره رمزا للرجولة، الرياضي المنتصر، خالق الحرية هو الحل. وقد قولب غراهام صورة السيد المسيح بنفس الصورة التي قامت بها الصهيونية قولبة صورة النبي موسي باعتباره قائدا عسكريا، في محاولة من آباء الصهيونية اخراج اليهود الاوروبيين من ثقافة الاذعان التي كانوا يعيشون فيها، ووجدت محاولات غراهام رواجاً كبيراً لدي الناس. ومن هنا صار الأصوليون المسيحيون المدافعين عن أمريكا المسيحية والرأسمالية، ونجحوا في جعل الأصولية صنوا للوطنية. ومع بداية النصف الثاني من القرن العشرين كان الأصوليون قد نجحوا في اعادة انتاج وتحديث صورتهم، وبناء العلاقات مع المتنفذين والسياسيين.
يفرد الكاتب حيزا من دراسته الموجزة لكي يتحدث عن جهود الأصوليين المسيحيين الفكرية وكيف شجعوا القراءة وإصدار الكتب والصحف وإنشاء المؤسسات والمعاهد اللاهوتية مثل إنجيل مودي ، ومؤسسة لوس أنجليس للإنجيل و معهد فوللر و جامعة الحرية ، كما طوروا اساليب ذكية ومبتكرة للحط من قيمة ثقافة الليبرالية ولعب فرانسيس شايفر دورا مهما في هذا المجال، إذ قدم نفسه بصفته مُنظِّراً فكرياً للأصوليين، كما نشط في الإطار الثقافي والإعلامي. وسار علي نهج شايفر مفكرون آخرون، أمثال هال ليندسي، وتيموثي لاهاي، وأونالي مكجرو.
يقيم المسيحيون الإنجيليون المحافظون اعتبارا كبيرا للنفس أو الذات إلي أبعد الحدود، ويؤمنون بأهمية الدعوة وتحقيق الهداية، حيث ينتقل الإنسان من دائرة الخطيئة إلي حالة الخلاص الدائم، ويطلق علي ذلك الولادة من جديد . والرئيس بوش يقدم نفسه علي انه مسيحي ولد من جديد وفي حملة انتخابات الرئاسة سنة 1976 أعلن جيمي كارتر نفسه مسيحياً ولد من جديد. ويجمع الإحساس بالذنب والتوبة هؤلاء المولودين ويشتركون في المعركة ضد الخطيئة في المجتمع وحول العالم.
عن نشاط المسيحية الإنجيلية وبدايات تأثيرها السياسي يشير الكاتب إلي أن الإنجيليين يمثلون نحو ربع سكان الولايات المتحدة وحوالي 40بالمئة من تعداد جميع البروتستانت، وينبه إلي أنهم لا يملكون بخلاف الكاثوليكية بنية تراتبية مركزية، ولكن لديهم مجموعة منظمات يجتمعون تحت مظلتها، مثل المجلس الأمريكي للكنائس المسيحية، والجمعية الوطنية للإنجيليين، والمجلس العالمي للكنائس المسيحية. دعم بيلي غراهام وجيري فالويل وبايلي سميث وبات روبرتسون انتخابات كارتر الذي أعلن أنه وُلد من جديد. وأعلنت مجلة نيوزويك عام 1976 عام الإنجيليين، الذين قدَّر استطلاع معهد غالوب أعدادهم بنحو خمسين مليوناً. لكن كارتر الذي فاز في الانتخابات بفضل تأييدهم، تنكَّر لوعوده للإنجيليين.
يخصص الكاتب محورا لما يُسمي الأغلبية الأخلاقية في الليبرالية الديموقراطية أو ما أسماه جيش الله لإخضاع القيصر ، وكيف التقي المخططون الاستراتيجيون في الحزب الجمهوري مع الأصوليين الإنجيليين، وخصوصاً جيري فالويل الذي أسس سنة 1979 منظمة الأغلبية الأخلاقية Moral Majority، والتي سعت للتحالف مع الجمهوريين وفرض أجندتها الدينية علي الحياة السياسية الأمريكية، ومن ذلك مواضيع الإجهاض والمثلية الجنسية والقيم الأسرية. ولإقناع جمهوره من الأصوليين بتأييد مرشح الحزب الجمهوري، استخدم فالويل مصطلح شراكة الحرب التي تعني الالتقاء مع الآخرين في نقاط محددة دون الاتفاق ربما علي قضايا كثيرة أخري. وسافر فالويل في سنة 1980 ما مجموعه ثلاثمئة ألف ميل لجمع المؤيدين. واستخدم ورفاقه بنجاح الوسائل الإعلامية والتلفزيون، وكانوا عنصراً أساسياً في نجاح رونالد ريغان في الانتخابات سنة 1980.
كانت فترة رئاسة ريغان وبوش الأب 1980 ـ 1992 فترة تعلُّم بالنسبة للأصوليين، إذ أدركوا أن الاقتصار علي إيصال الرئيس إلي البيت الأبيض ليس كافياً، وأنه يجب إيلاء الأهمية نفسها لمرشحي مجلس النواب والشيوخ (الكونغرس).
الارهاب الاصولي المسيحي
كان الركود الاقتصادي وفشل بوش الأب في علاجه عنصراً مهماً في فوز بيل كلينتون في انتخابات الرئاسة الأمريكية، لكن كلينتون ظل يتعرض لهجوم دائم من اليمين الديني. وتمكن الجمهوريون سنة 1994 من تحقيق فوز كاسح في مجلسي النواب والشيوخ الأمريكي للمرة الأولي منذ 1952.
حول خطورة هذا التيار يتحدث الكاتب عما يسميه الإرهاب المسيحي ، مشيرا إلي أن مشاعر الإحباط التي دبت في نفوس عدد من الراديكاليين الإنجيليين لعدم تمكنهم من تحقيق ما يطمحون إليه علي أيدي الرؤساء الأمريكيين الذين انتخبوهم، أي كارتر وريغان وبوش الأب. وتوصَّل هؤلاء إلي ضرورة قتل مقدمي خدمات الإجهاض... وغير ذلك. وشكلوا منظمات مثل منظمة عملية الإنقاذ، ومؤسسة التدريب الرسالي المسيحي، ومنظمة العمل الدفاعي...، وتعدُّ منظمة جيش الرب إحدي أخطر هذه المنظمات، وهي تعدٌّ نفسها جيشاً حقيقياً يتولي الله نفسه رئاسة أركانه!! ويدافع هؤلاء عما يسمي جريمة القتل المبرّر ، وهم متورطون في أعمال قتل وتفجير وخطف وإرهاب بيولوجي وغيرها.
في نهاية الكتاب يقدم زكاء الله تحليلا للظروف والاسباب التي ادت لصعود جورج بوش الابن للحكم ووصوله البيت الابيض، ويري الكاتب ان منطقة حزام الكتاب المقدس لعبت دورا مفصليا في التصويت له، مؤكدا علي أهمية العامل الديني في انتخابه، حيث كان أكثر من سبعين مليون أمريكي في سنة 2000 يصفون أنفسهم بأنهم مسيحيون ولدوا من جديد . وقد سعي بوش للالتزام بأجندة الأصولية المسيحية، والتي كانت تتضمن في الجانب المحلي قضايا خطر الإجهاض، وقراءة الإنجيل في المدارس العامة. أما الأجندة الخارجية فكانت مبنية علي أساس إيمان هؤلاء الإنجيليين بأن نهاية العالم ستكون قريبة، وأن الشرق الأوسط سيدخل سلسلة حروب تمهيداً لمعركة هرمجدون (بين العرب وإسرائيل) والتي يجب أن تفوز إسرائيل فيها، ليسهلوا علي المسيح بناء مملكة الله في فلسطين عند نزوله الثاني. كما كان هناك توافق في معتقدات هؤلاء الإنجيليين مع غزو بابل (العراق حالياً) باعتباره ممهداً لهرمجدون حسب سفر الرؤيا. ولهذا فان غزو العراق ادي الي تسارع في نشاطات الانجيليين التبشيرية في العراق وكانت مجلة التايم الامريكية قد خصصت محورا في عام 2003 لاستعراض حماس الانجيليين للتبشير في العراق، وقبل اسبوعين نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريرا عن جهود يقوم فيها الاكراد من اجل بناء تأثير لهم علي السياسة الامريكية ودعم تلقوه من احد المبشرين الذي تطوع لخدمتهم وقام بانتاج افلام قصيرة عن الحياة في كردستان لا تتجاوز الثلاثين ثانية، ومعظمها دعائية تظهر اكرادا يشكرون امريكا، وكراو مقتنع ان الكثير من قصص الكتاب المقدس حدثت في كردستان وان الاكراد هم احفاد المسيحيين الاوائل وان الحكماء الثلاثة الذين زاروا المسيح في بيت لحم جاؤوا من كردستان.
وقد تحدث المؤلف في الفصل التاسع عن نبوءة العصر الألفي السعيد لدي المسيحيين الإنجيليين حيث يؤمنون أن المسيح سينزل ثانية لينشئ مملكة الله التي ستستمر ألف سنة من السعادة. وبالنسبة لهؤلاء فإن إسرائيل هي العامل المسرَّع لأحداث نهاية الزمان ولذلك فإن دعمها يجب أن يكون أحد ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية.
يقترح الكاتب في الفصلين الاخيرين من كتابه رؤية أكثر موضوعية للسياسة الخارجية الأمريكية، وإقامة المشاريع الأكاديمية وأقسام الدراسات المتخصصة لفهم الغرب والعقلية الأمريكية، وبالتالي الوصول إلي الطريقة الأنسب للتعامل معها.
* المؤلف الدكتور عارف زكاء الله، هو خبير اقتصادي باكستاني، وممن لهم اهتمام بارز في الشؤون السياسية الأمريكية وعمــــــلية صناعة القرار فيها؛ وقد فاز بجوائز عديدة، ويعمل حالياً أستاذاً مشاركاً في الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا.
تنبع اهمية الكتاب انه يقدم دراسة علمية موثقة ومحدّثة حتي أواخر سنة 2006، ومختصرة لكن شاملة. وتقدم الدراسة الكثير من الإضاءات بطريقة منهجية منظمة حول اليمين الديني الأمريكي، مدعّمة بالوقائع التاريخية، مازجة الماضي بالحاضر، ولا يكتفي زكاء الله ببحث الواقع الأمريكي لكنه ينتقل في الفصول الأخيرة إلي نظرة وتعاطي العرب والمسلمين مع هذا الواقع الأمريكي، ويشدد علي ضرورة إيجاد تحليل ناقد ودراسات موضوعية لقضايا وسلوكيات وسياسات الآخر حتي يتمكن الطرفان (الأمريكي ـ الغربي والإسلامي ـ العربي) من إجراء حوار حضاري علي قاعدة سليمة.
الدين والسياسة في أميركا
د. محمد عارف زكاء الله
تـرجـمـة: أمل عيتاني
مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات

الرد


*

  • يتم الانتقال إلى سطر جديد آليا.
  • شارات HTML المسموح بها: <img> <div> <span> <p> <i> <b> <u> <s> <code> <blockquote> <br> <table> <tr> <td> <div> <span> <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><h1> <h2> <h3> <h4> <h5> <h6> <marquee> <form> <input>