بقلم: أحمد المرشد
لم تكن "إسرائيل" في حاجة إلى أن تعلن حالة الاستنفار وهي تستقبل خبر تعيين الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما للسيناتور جورج ميتشل مبعوثاW أمريكياً خاصاً في الشرق الاوسط، فميتشل لن يكون مبعوثاً للسلام قبل أن تستقر حالة وقف إطلاق النار في قطاع غزة والتزام "إسرائيل" بالتزاماتها وهي فتح المعابر وتسهيل مرور المساعدات الانسانية علاوة على مرور كافة المواد التموينية والوقود لسكان القطاع. 
ومع ذلك لم تخف "إسرائيل" توجسها من تعيين ميتشل، والسبب طبعاً معروف ويعود الى ما بعد اندلاع انتفاضة الاقصى في سبتمبر/ايلول ،2000 عندما عين الرئيس الأمريكي الاسبق بيل كلينتون مبعوثاً له لانهاء الوضع المتازم آنذاك وترتيب الأوضاع لتدشين مفاوضات جديدة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" في طابا بعدما فشلت جولة كامب ديفيد في يوليو/حزيران2000. فمبعوث كلينتون لم يتردد في ادانة الموقف "الإسرائيلي" وفضح سياسة "إسرائيل" وقتذاك في عهد ايهود باراك رئيس الوزراء "الإسرائيلي" العمالي، وطالب في تقرير شهير كتب باسمه بوقف الاستيطان وتعزيز الوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية، وهو التقرير الذي رفعه إلى بيل كلينتون، وبالطبع كان مصيره الرفض من قبل "إسرائيل".
واللافت للانتباه هو تناقض الشعور "الإسرائيلي" حيال ميتشل، ففي وقت اعتبرت الصحف "الإسرائيلية" أن زيارة ميتشل إلى المنطقة، وخصوصاً إلى "إسرائيل"، غايتها إظهار إدارة أوباما لجدية نواياها في التعامل مع قضايا المنطقة وعلى وجه خاص الصراع "الإسرائيلي" -الفلسطيني، استبعد بعض المراقبين هناك فرضية حياد جورج ميتشل في الملف الفلسطيني، أولا: لأن أوباما كثيراً ما كرر دعمه لأمن "إسرائيل"، وهذا يستدعي عدم استعداده إزعاجها لمصلحة الفلسطينيين. ثم ثانياً، لأن "الإسرائيليين" باتوا يتفهمون خلفية الضغوط التي قد تفرضها عليهم الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتبدو في ظاهرها أنها لمصلحة التنازل للفلسطينيين، ولكن في الواقع، تكون داعمة ل"إسرائيل" والتاريخ يؤكد هذا.
وفي حقيقة الأمر، فإن "إسرائيل" قد رفضت رفضاً قاطعاً الاستجابة لدعوات أوباما رفع الحصار عن قطاع غزة بعد العدوان السافر عليه والذي استمر 22 يوماً وأسفر عن استشهاد أكثر من 1300 فلسطيني، لكن الرئيس الأمريكي لم يعبأ لذلك، حيث يبدو أنه قبل بما تقبل به تل أبيب في هذه المسألة. هذا الموقف يقودنا الى القول إن أوباما لن يقدر على صياغة رؤية مختلفة للصراع العربي - "الإسرائيلي" مختلفة عن سلفه جورج بوش الابن حتى وإن أراد ذلك، لأن الدعم الأمريكي ل"إسرائيل" يكاد يكون مفروضاً على مؤسسات الدولة الأمريكية بحكم القانون. ومن جهة أخرى، من السابق لأوانه أن يتدخل أوباما في الوقت الراهن بكل قوته في انهاء صراع دامٍ ومستمر في منطقة الشرق الأوسط فشل في حله جميع من سبقوه باستثناء الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر. ويفترض أن ينتظر الرئيس الأمريكي لحين القضاء على مشكلته الأهم الآن، والمتمثلة في حربه مع الكونجرس لتمرير خطته الخاصة بالانتعاش الاقتصادي والتي سبق للكونجرس أن اعترض عليها، وطالب بادخال بعض التعديلات قبل المصادقة عليها، وهو الأمر الذي اصاب أوباما بذهول في أول معركة له مست مستقبل الشعب الأمريكي الذي وعده أوباما بالتغيير، ومن أهم ملامح هذا التغيير هو إعادة الرخاء إلى البلاد.
وعلينا كعرب عدم الانسياق وراء ما ردده البعض من أن أوباما فاجأ الشرق الأوسط بسرعة نشاطه الدبلوماسي وتعهداته بالانخراط في الصراع العربي- "الإسرائيلي"، وأنه مصر على التوصل في ختام السنوات الأربع الأولى لولايته إلى تقدم ملموس في العملية السياسية بين "إسرائيل" والفلسطينيين. لأن المنطق الذي تعلمناه على مدى السنوات الماضية، أنه بقدر الإصرار الأمريكي على التدخل الجاد في حل معضلة الشرق الأوسط، بقدر تعنت "إسرائيل" أمام أي مبادرة سواء عربية أو أوروبية أو حتى أمريكية، والتاريخ يؤكد هذا، وأبسط مثال على ذلك أن الولايات المتحدة هي التي وضعت خطة "خريطة الطريق" وعرضتها على الطرفين الفلسطيني الذي وافق عليها مباشرة بلا أدنى تحفظات، و"إسرائيل" التي طالبت بإدخال 14 تعديلاً عليها قبل الموافقة عليها، ثم في نهاية الأمر لم تعمل بها ولم تقبلها، بل أمعنت في رفضها باستمرار سياسة الاستيطان.
وما يعزز كلامنا هذا، هو ربما كان حري بالإدارة الأمريكية الجديدة العودة الى نص تقرير ميتشل الذي قبله الفلسطينيون لحظة صدوره عام ،2001 حيث كان ينص على إعادة الاستقرار والأمن مع المطالبة بوقف الأنشطة الاستيطانية، مع تداخل مرحلتي التهدئة وإعادة بناء الثقة.
وعلى النقيض من الموقف "الإسرائيلي" كان الموقف العربي من تعيين ميتشل، فكل الدول العربية وجامعة الدول العربية رحبت بتعيينه مبعوثاً خاصا للرئيس الأمريكي أوباما في الشرق الأوسط، ليس فقط لشهرته كمهندس للسلام الايرلندي أو جذوره اللبنانية كما تدعي "إسرائيل"، وإنما لما يتصف به من حيادية ومصداقية في تناوله الأزمة التي يتولى حلها. فتاريخه عبارة عن رسالة ايجابية يمكن أن تدعم الآمال في سياسة جديدة تستهدف تحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط خلال عام 2009.
لقد بدأ ميتشل مهمته في المنطقة، وهناك مدينة تحولت بفعل الآلة "الإسرائيلية" العسكرية الى خراب ودمار، ونأمل أن يزورها للوقوف بنفسه على حجم ما ألحق بها من ويلات إنسانية ومادية، وهذا قد يدفعه إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ على التهدئة بين "إسرائيل" وجميع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة. إن هذا الأمر هو من أولويات المرحلة الراهنة ثم يلي ذلك قضية العودة إلى طاولة المفاوضات، هذا إذا أبدى أوباما اهتماماً بملف الشرق الأوسط بالتوازي مع بقية ملفاته الأمريكية المحلية. وقد نقول أن ثمة إشارات تؤكد وجود رغبة لدى الرئيس الأمريكي الجديد في تحسين صورة الولايات المتحدة أمام شعوب المنطقة، ليلغي من أذهاننا حقبة الشك وسوء الفهم بين العرب وأمريكا طوال فترة حكم المحافظين الجدد وسيطرتهم على مطبخ صناعة القرار طوال فترتي الرئيس بوش الابن لمدة ثماني سنوات متصلة. ولكن علينا أن نتعامل مع تطلعات أوباما بحذر وليس بكثير من الأمل، لا سيما أنه لم تصدر عن واشنطن حتى الآن إشارة جادة عن موقف جديد يردع سياسات التصلب "الإسرائيلية". وعلينا الانتظار من واشنطن موقفاً تعلن فيه التخلي عن نهج الدعم المطلق ل"إسرائيل" الذي يتجاوز بكثير متطلبات ضمان الأمن والحفاظ على الوجود لكي يصل إلى حد اعتمادها كأداة للردع والتخويف وفرض السيطرة والهيمنة على شؤون المنطقة.
إن فشل أو نجاح الرئيس الأمريكي الجديد في حل معضلة الشرق الأوسط يرتبط بمدى جدية واشنطن في التعامل مع عملية السلام بأفكار ورؤى جديدة، وبشرط أن تفرض على "إسرائيل" الابتعاد عن مفاهيم التطرف والتعصب وتغليب منهج القوة على منهج الشرعية الدولية. وعلى الدولة العبرية أن تدرك أن الخيار بين الحرب والسلام لن يكون مفتوحاً في كل وقت، وأن مبادرة السلام العربية المطروحة على الطاولة اليوم لن تبقى على الطاولة إلى الأبد، كما ذكر الملك عبدالله بن عبد العزيز في كلمته أمام قمة الكويت. وعلى "إسرائيل" أن تعلم بأن غطرسة القوة لن تقهر المقاومة ولن تفرض الخضوع على شعب فلسطين. وعلى "إسرائيل" أن تدرك أيضا أن العرب لم يختلفوا بشأن المقاومة، فهم أكدوا حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، واحترامهم إرادة المقاومة الفلسطينية وصمودها. وعلى "إسرائيل" أن تدرك أيضا أن تحقيق السلام لن يكون بالطائرات والدبابات، وأن القضية الفلسطينية سوف تنتصر في النهاية، وأن الاحتلال مصيره إلى زوال.