بقلم: باراك اوباما
// أحد المرشحين الديمقراطيين للرئاسة القادمة بأميركا في 2008، والمقال مأخوذ من حوار أجرته معه بيفرلي ديفس، خدمة غلوبال فيو بوينت//

صحيح قد قلت أني سأسحب كل قواتنا من العراق خلال عام، ويطاردني السؤال على حيثية الكيفية، وحول العدد الذي يمكن أن أبقيه، فيما لو دخلت البيض الأبيض في يناير 2009. وهنا أقول وبمنتهى الوضوح: علينا أن نبدأ في انسحاب فوري ومنظم، بمعنى لواء أو لواءين في الشهر، وبمثل هذا المعدل نكون قد خرجنا من العراق في العام التالي فيما نكون لا نزال نحتفظ ببعض القوات في المنطقة. أما نسبة كم من القوات في العراق في مقابل قواتنا خارجه، فهذه فنيات يحددها القادة العسكريون، لتظل مهام قواتنا في العراق وقفا على حماية دبلوماسيينا وسفارتنا والمدنيين الأميركيين هناك. وهنا، وحتى لا يبدو الأمر قريبا من التملص، أقول إننا لا بد أن نمتلك قوات قادرة على مطاردة القاعدة في العراق، فيما نبقي على درجة عالية من الانفتاح لجهة تدريب قوات أمن عراقية مبرأة من التبعية الطائفية، لأن الذي لا يمكن أن نفعله، ولا يجب أن نفعله هو تدريب مذهبيين وطائفيين يكون كل همهم تزكية نيران الحرب الأهلية، لأن ذلك نوع من الهبل.
ومنعا للبس هنا أقول إن ضرورة الانسحاب ليست فقط بسبب عدم قدرتنا على تمويل تلك الحرب، ولكن لأن الانسحاب هو الطريق الوحيد المتبقي لإحلال الأمن في المنطقة بالنظر إلى هذه القضية في مداها الزمني الطويل ببناء يقوم على التسكين السياسي إذا صح التعبير لمختلف الأطراف هناك. ويظل يقيني الذي لا يتزعزع أنه ومن غير هذا التسكين السياسي، لن نرى استقرارا حقيقيا داخل العراق فيما سنظل نشهد اللااستقرار في كل المنطقة.
ومع ذلك، فمن باب تحصيل الحاصل، علينا ألا ننسى أن هناك دورا لدول المنطقة والجوار العراقي في الحل السياسي للمشكلة العراقية، ومع ذلك أحسب أن الموقف هنا من جانبنا في مواجهة دول الجوار سيكون حرجا ومحوريا في ذات الوقت. وبوضوح هنا أقول أن علينا أن نتحدث مباشرة إلى سورية وإيران، وبنفس القدر مع أصدقائنا، مثل الأردن، من منطلق وقاعدة تقول إن للجميع منافع في تحقيق الاستقرار بالعراق، في مقابل مخاطر عليهم جميعا أيضا في غياب ذلك الاستقرار.
صحيح أن إيران وسورية ظلتا عاملا في تعكير صفو الاستقرار، ولكن جزءا من الأسباب وراء كونهما يعكران صفو الاستقرار يعود أيضا إلى أن أميركا موجودة هناك كغطاء لمشاكل قائمة، ولن يتحملا بالطبع، وإشارتي إلى طهران ودمشق، أن يشهدا العراق ينهار في نفق حرب أهلية تحمل قابلية الامتداد اليهما، وهما يعرفان هذه الحقيقة. فهما، وسلفا، استقبلا أعدادا ضخمة من اللاجئين بما وضع ضغوطا كبيرة عليهما. والشاهد هنا أن علينا أن نقود جهودا دبلوماسية متينة في المنطقة وذلك يشمل بالطبع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.
صحيح أن إيران في المقابل تسعى وبصورة حثيثة لامتلاك أسلحة نووية، وأن جهودا قوية لم تبذل بعد لمنعها من ذلك. ولكن للانسحاب الأميركي من العراق صلة بهذه القضية لأنه سيسهل إقامة علاقات أفضل مع حلفائنا مثل فرنسا، فيما سنحتاج في المقابل أن نعمل مع قوى أخرى مثل الصين وروسيا والهند والدول الأخرى ذات التأثير على إيران، أكثر من بذلنا الجهد لتقوية العقوبات الاقتصادية. والإشارة المستحقة هنا هي أنه من الصعب علينا بمكان أن نقوم بمثل تلك الجهود مع وجودنا العسكري في العراق وهو الذي يسيطر على الطريقة التي ينظر بها الآخرون إلينا.
وحين نأتي لجزئية نظر الآخرين إلينا، فذلك لا يستثني الحلفاء بالطبع، وهنا أقول إنني ومن بين ثلاثة قادة جاء بهم تداول السلطة في أوروبا، وهم غوردن براون في بريطانيا، نيكولاس ساركوزي في فرنسا، ومن قبلهما أنجيلا ميركل في ألمانيا، لم ألتق غير ساركوزي مع أني كنت على علاقة وطيدة برئيس الوزراء البريطاني توني بلير قبل أن يغادر داوننغ ستريت، ولكني سأسعى للقاء ميركل وبراون في زيارتي القادمة لأوروبا. أما انطباعي العام فيقول إن ثلاثتهم قادة سياسيون متحفزون لقيادة بلادهم للأمام وتحديث سياساتهم لجهة اقتصاد عالمي، وجميعهم على اهتمام في البحث عن علاقات فاعلة مع أميركا، فيما لا أرى أن أيهم يسعى للسباحة ضد أميركا بالطريقة التي مارسها بعض القادة الأوروبيين السابقين. ولكني، وفي المقابل أيضا، أعتقد أنهم، وأعني القيادات الثلاث الجديدة، يملكون شكوكا موضوعية حول سياسات إدارة بوش التي أظهرت في كثير من تجلياتها أنها أحادية.
أما روسيا، فالأمر معها يختلف بالطبع، وكثيرا ما سئلت عن ذلك الحكم العاطفي أو الانطباعي الذي قال به الرئيس بوش وهو ينظر الى عيني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليقول له، إنه يرى فيه روحه. وأقول هنا إنني أختلف بالطبع عن بوش الإبن، وبدءا فأنا من أناس لا يرون أن السياسة الخارجية يمكن أن تبنى على العواطف أو أن تحاول البحث أو النظر في أرواح البشر، فالسياسة الخارجية هي المنطقة التي يجب عليك أن تكون فيها حاد النظر وواقعي المنهج، مع ذلك أعتقد أيضا أن سياستنا الخارجية لا بد وأن تبنى على منظومة واسعة من القيم والمثل، وعلى رأسها الإيمان بالحرية وحقوق الإنسان وكرامة البشر.
وهنا أيضا يحلو الحديث. فعلينا إذن، وفي السياسة الخارجية، أن نفهم أن هناك حدودا لقدرة أميركا على فرض تلك القيم والمثل بالإكراه والجبر. وهنا يأتي الفرق بيننا وبين هذه الإدارة، فإشاعة تلك القيم إنما يكون بتقديم القدوة والضغوط الدبلوماسية مثلا، والتأثير الاقتصادي والسياسي، ومرة أخرى، هنا سنكون بوسعنا أن نصنع ونقدم الفرق.
ومع طول الأحاديث هنا، ولكن مجملها يذهب إلى أن عليك أن تستمع للجميع، وهذا يعني أن تتحدث إلى أصدقائك وأعدائك، وتجدوني هنا لست من أناس يؤمنون بمعاقبة الدول من خلال عدم التحدث إليها، برغم فهمك بأن جميع الدول لا يمكن أن تشاركك قيمك. وهنا علينا أن نكون واضحين جدا وبما يكفي حول ما نقف عليه ونسعى إليه وما نؤمن به، وأن نتحلى بشك صحي إن جاز التعبير حول دوافع ومصالح دولة كثيرة نجد أنفسنا في رحى التعامل معها. وبالطبع، فذلك لا يعني البتة التساهل، أو القول إنه لا يمكن أن نصنع تقييما صلبا حول مناطق التعاون أو المصالح الخاصة والمشتركة.
وأخيرا، فلكل ذلك صلات مباشرة أو غير مباشرة بطرق تعاطينا مع الشأن العراقي بصورته الراهنة والمرهقة.