اللاجئون العراقيون في سورية

بعثة تقصي حقائق

د. فيوليت داغر وأ. ناصر الغزالي

C.A. DROITS HUMAINS

5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff - France 

    Phone: (33-1) 40921588  * Fax:  (33-1) 46541913

achr@noos.fr   http://www.achr.eu/

اللاجئون العراقيون في سورية

1- هدف بعثة التحقيق

في النصف الثاني لشهر آب/أغسطس توجهت بعثة مؤلفة من فيوليت داغر وناصر الغزالي إلى الجمهورية العربية السورية للاطلاع على أوضاع اللاجئين العراقيين في هذا البلد الذي يستقبل دون منازع العدد الأكبر منهم. ذلك في وقت يبدو العالم كمن اعتاد على مأساتهم المتعددة الوجوه. هذا اللجوء والتهجير يقع ضمن مخطط ممنهج، وليس فقط نتيجة لما يجري في العراق من قتل وتدمير، بحيث ما زال العدد مؤهلاً للمزيد. لذا، هدفت بعثتنا لاطلاق الصوت من أجل تحسيس العالم وبخاصة المجتمع المدني العربي والدولي بجمعياته الخيرية والإنسانية بحقيقة وضع اللاجئين العراقيين في سورية ومناشدة أهل الخير مد يد المساعدة لهم. فالجميع، عرباً وغربيين، ليس فقط كحكومات، وإنما أيضاً كإعلام أو ناشطين حقوقيين أو عاملين في جمعيات خيرية، مقصّر بواجباته تجاه شعب العراق. لا بل مشارك بالمسئولية عما آل إليه وضع العراقيين، كون المشاركة ليست فقط في الفعل المباشر وإنما أيضاً في غيابه. أي في الصمت واغماض العين عن الجرائم والانتهاكات الكبيرة التي ترتكب بحق المظلومين والمضطهدين. فما يقدم للاجئين أو للمحتاجين منهم من مساعدات ليس سوى جزء بسيط جداً مما يفترض بجمعيات المجتمع الأهلي عربية أو دولية القيام به. في الوقت الذي تتعامل الدول الغنية عربية وغربية مع الموضوع بالإهمال وغض الطرف بشكل لا إنساني ومثير للسخط. أصابع الاتهام توجه بخاصة للحكومة العراقية التي لا تحرك ساكناً وتغمض العين على أوجاع شعبها دون مساعدته من أموال تعود له في بلد هو ثاني احتياطي في العالم. في حين تترك قارب الخزينة على غاربه يخسر المليارات بين تهريب وسرقات ومافيات ومضاربات وسوق سوداء وتحويل أموال لشراء سلاح وحماية مصالح شركات متعددة الجنسيات.

كذلك يشار بالبنان لبعض المؤسسات الدينية العراقية التي لا تقدم أي شئ لأبناء جلدتها، كما لبعض الأثرياء العراقيين الذين يفضلون أن يصرفوا أموالهم، ومنهم من لم يحوزوا عليها بتعبهم وإنما بطرق غير مشروعة، على مظاهر البذخ وغيره دون حياء. في حين يمكن أن يقوموا بأعمال خيرية لمساعدة أبناء بلدهم المحتاجين او يستثمرونها في بناء جامعات أو مستشفيات أو مشاريع خدمية. أما الاعلام العربي فهو قاصر أو متواطئ أو مقيّد، ولو كان من إعلام موضوعي لقامت الدنيا ولم تقعد. فتمزيق العراق بدأ مع الاعلام الذي حضّر الأرضية لذلك. أما الشعوب فقد أبعدها سيف حكامها المسلّط على رقابها عن السياسة النضالية بجعلها تجري وراء لقمة الخبز وأوليات البقاء.

هناك بالتأكيد أطراف كثيرة غير عراقية مهتمة بقضية العراق وبمساعدة شعبه. لكن ما أخّر حراكها هو عدم معرفتها بكيفية الوصول للشرائح المحتاجة من لاجئيه، وبشكل مباشر يضمن استفادة هؤلاء من رعايتها لهم. يبقى أملنا أن يسهم هذا الجهد الجماعي في إحداث مزيد من الوعي بموضوعة اللجوء العراقي إلى سورية، بحيث تكون المعرفة مفتاح العمل الجاد والملتزم والمشاريع المستقبلية. وهنا لا بد من تبليغ جزيل الامتنان لكل من ساهم في هذا التقرير، أكان بتخصيص وقته لمقابلة أو من خلال مراسلاته معنا أو اعتمادنا على كتاباته في الشأن، مع الاعتذار عن عدم ذكر الأسماء، تجنباً لإغفال أحد أو كشف من يضيره ذلك. على أن نترك لهم المسئولية في ما قدموه من معلومات وأرقام لم نتمكن من التدقيق بصحتها. خاصة مع عدم وجود معطيات احصائية ومدققة في أحيان كثيرة وإنما معلومات وتقديرات تقارب الحقيقة.

2- الإحتلال الأمريكي للعراق

قبل الانكباب على أوضاع اللاجئين العراقيين في سورية، لا بد من تقديم لمحة موجزة عن الوضع في بلدهم والذي أدى لنزوحهم وتهجيرهم. ونلفت هنا بداية لكتاب ثري جداً بالمعطيات الموثقة نحيل القارئ إليه، صدر حديثاً عن مركز دراسات الوحدة العربية واللجنة العربية لحقوق الانسان، ترجمته للعربية عن الانكليزية مجد الشرع، لكاتبيه جيمس بول وسيلين ناهوري، بعنوان الحرب والاحتلال في العراق.

غزت قوات التحالف العراق في مارس/آذار2003، بعد حصار اقتصادي الأول من نوعه فرضته الولايات المتحدة على هذا البلد على مدار 13 سنة. وقد بررت هذا الاحتلال برغبتها باسقاط النظام العراقي بذريعة امتلاكه وتصنيعه للأسلحة المحظورة دولياً ورفضه تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وسوّقت لنيتها نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط. لكن هذه التبريرات ما لبث أن ثبت عدم صحتها مع صدور تقارير للجان التفتيش قبل الحرب التي قادها هانز بليكس أو بعد سقوط العراق وتقرير ديفيد كي الذي قدم أيضاً براهين بعدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق. لكن بوش أقر صيف 2004 بأنه حتى لو كان يعرف قبل الحرب بعدم وجود اسلحة محظورة في العراق كان سيقوم بدخوله بكل الأحوال.

كان أول ما صدم الرأي العام المحلي والدولي لدى اجتياح قوات التحالف للعاصمة العراقية هو العبث بمتحف الآثار ببغداد ثم بمحتويات المكتبة الوطنية التي فقدت، بين سرقة على أيدي متخصصين محترفين وبين حرق وتدمير، كميات هائلة من الملفات بما فيها وثائق عثمانية وخرائط وصور نادرة. وذلك لاهدار تراث العراق الضارب في العراقة. لكن أبناء العراق المخلصين يرفضون ما آل إليه مصير تراثهم ويعملون جاهدين على ترميم كل ما يستطيعون.

تكلف هذه الحرب الولايات المتحدة حوالي 8.4 مليار دولار شهرياً، حسب ما نشرته صحيفة الجارديان البريطانية في صيف 2006، نقلا عن تقرير لليندا بيلمز (خبيرة الميزانيات بجامعة هارفارد) وجوزيف ستيجلتز (الأستاذ بجامعة كولومبيا و الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2001). فقد بلغ عدد الجنود الأمريكيين المتواجدين في العراق 162 الف جندي. لكن مع تراجع شعبية الحرب بعد أربع سنوات وسقوط 3800 قتيل و27 ألف جريح في صفوف هؤلاء، يضاف له عدد غير معلن من المرتزقة الجدد في الشركات الأمنية الخاصة، يواجه الجيش صعوبات كبيرة لتجنيد عناصر جديدة. لذا سيصرف سلاح البر علاوات خلال السنة المقبلة تقدر بمائتي مليون دولار لجذب دفعة جديدة من المجندين بفعل عزوف الشباب الأمريكي عن التجنيد بسبب ما يجري في العراق. وهو يسعى للحفاظ على نخبة جنوده كي لا تستميلهم العروض المغرية في القطاع الخاص أو تثنيهم التحفظات على الحرب.

يضاف لعدد الجنود هذا عدد كبير من المرتزقة المأجورين يتعدى المائة ألف عنصر. ففي حين توظف وزارة الدفاع الأمريكية نحو 7300 متعاقد أمني، تتعامل وزارة الخارجية مع شركة بلاك ووتر السيئة الصيت والمعروف أن لديها معدلات إطلاق نار أعلى من الشركات الأمنية الأخرى في العراق. وقد تكشف مؤخراً للرأي العام الدولي أحد ملفات فضائح الاحتلال الأميركي في العراق وداخل الولايات المتحدة نفسها، لتتوضح بشكل لا يرقى للشك طبيعة المشروع الأميركي في المنطقة. فبعد أن استهدف الاحتلال جميع المؤسسات العسكرية والأمنية الوطنية بأن حلّّها، عمد لاستبدالها بقوات الاحتلال وبشركات للمرتزقة تعمل للتحكم بآليات بناء الأجهزة الجديدة. لكن تماديها في ممارسة أبشع أعمال القتل والنهب الجارية على الأراضي العراقية أفضى لفضح دورها ولمطالبة الحكومة العراقية بسحب ترخيصها على اعتبار أنها برأيهم تخضع للقانون العراقي. وبالتالي يمكن الوصول لمنعها من العمل ومحاكمة المتورطين في الجرائم. لكن عراقيون آخرون يعتبرون أن هذه الشركة التي تحمي مقر الحكومة نفسها التي تريد ان تحاكمها، كما تحمي مقر السفارة الأمريكية وكبار الشخصيات الدبلوماسية الأجنبية، هي جزء من القوات متعددة الجنسيات. وبالتالي هي معفية من أية مساءلة أمام القضاء العراقي استناداً للقرار 17 الصادر عن بريمر في 27 يونيو/حزيران 2003. وها هي قد عادت إلى العمل بإيعاز من الإدارة الأميركية التي لا تستطيع أن تستغني عن خدماتها كذراع أمنية وعسكرية للاحتلال.

هذه القوات مجتمعة عملت على تنفيذ عمليات التفجير والتدمير والقتل العشوائي وعلى الهوية، وبالتالي ابادة أكثر من 800.000 عراقي قتلوا حتى اليوم منذ سقوط بغداد. وكذلك على تهجير ما لا يقل عن أربعة ملايين آخرين، كما على اشعال الفتنة الطائفية وتقسيم وتفتيت العراق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وامنياً. كذلك عملت الادارة الأمريكية جاهدة لفرض المحاصصة والفدرالية إدارياً وجغرافياً. كما لتمرير القوانين التي من شأنها إضعاف الوحدة الوطنية وسيطرة الطوائف والإثنيات من خلال ميليشات وفرق خاصة تعمل بأوامر سياسية.

تقول مصادر عراقية بأن القوات الموجودة في العراق قد استعانت بالخبرة الإسرائيلية في محاصرتها المدن والبلدات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من عزلها بالسواتر الترابية والأسلاك الشائكة والخنادق إلى السيطرة الأمنية عليها باستخدام نظام العقوبات الجماعية. وهي تدلل على ذلك بوجود خبراء عسكريين إسرائيليين يرتدون الزي الأمريكي ويعملون ضمن الكتائب الأمريكية في المناطق الغربية من العراق. فقد شرعوا في تقسيم بغداد إلى كانتونات ومناطق ذات صبغة طائفية، وسوروا مدينة الأعظمية بسور كونكريتي، وعملوا على عزل مناطق جانب الكرخ عن بعضها ببناء جدران إسمنتية عالية، وبنوا أسواراً حول شارع حيفا والعلاوي وشارع الكندي وحي الخضراء والجادرية. على أن يعمل التدقيق الأمني باستعمال الهويات الخاصة بالمناطق.

في الوقت نفسه، هناك شهادات عن توسع النفوذ الرسمي الإيراني في المناطق الجنوبية، وأخرى تتحدث عن توزيع أموال جمة لبعض العشائر والجهات المدنية من أجل المطالبة بإقامة الفدرالية وتشكيل هيئاتها الإدارية. من ذلك البيان الصادر عن مجموعة من رؤساء العشائر كانت قد أعلنت قيام إقليم الجنوب وتشكيلاته السياسية والأمنية. أما في إقليم كردستان، لا يمكن غض النظر عن التحرّكات العسكرية لقوات البشمركة الكردية في مناطق كركوك لضمان أمن خطوط الكهرباء والنفط، ولإحكام السيطرة على حدود كركوك الإدارية. يترافق ذلك مع تهجير عائلات من طوائف وقوميات مختلفة، مع تهديدات شديدة اللهجة وتحذيرات بما يخص تطبيق المادة 140 من دستور الاحتلال بشأن كركوك. كذلك التفاهم على المناطق المتنازع عليها في ديالى والموصل ومحافظة واسط. وتجتمع شهادات المهاجرين من كركوك ومنطقتها على أن السياسة المتبعة تعتمد تصوراً قومياً جاهزاً للمدينة ومحيطها تحاول القوات الكردية فرضه على الجميع. كان تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق قد انتقد سياسة الحكومة المحلية، معرباً عن قلقه من استمرار عمليات التعرض للنساء التي تصل لحد القتل، ومطالباً السلطات بمعالجة عاجلة لعوائل النازحين إلى كردستان وخصوصاً المسيحيين منهم، ولافتاً لضرورة تخصيص موارد اضافية لتلبية احتياجاتهم المتزايدة.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر كانت قد تحدثت في تقرير لها عن المأساة الخفية لعشرات الآلاف من عائلات المفقودين الذين ما زال من الصعب الكشف عن مصيرهم بعد سنوات من النزاع وغياب المحاسبة. وقد قدرتهم مصادر رسمية عراقية ما بين 375 ألفا ومليون شخص. أي بما يشمل المفقودين في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وخلال حرب الخليج في 1991، وعند الغزو الأميركي عام 2003، وكذلك بفعل أعمال العنف المستمرة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. وكانت اللجنة الدولية قد أعلنت، بناء على مصادر عراقية، أن زهاء عشرين ألف جثة تم نقلها إلى معهد بغداد الطبي الشرعي بين مطلع عام 2006 ومنتصف عام 2007، ونصف هذه الجثث لم يكن قد تم التعرف عليها بعد.

وقد ذكرت مجلة النيشن The Nation، التي أجرت مقابلات مع المحاربين الأمريكيين العائدين من العراق، الأفعال الوحشية والشائعة التي قاموا بها والتي مع ذلك لا تلقى عقوبة. الكثير منهم ينظرون للعراقي بأنه يكفي أن لا يتكلم بالإنجليزية وأن يكون لونه أسمر كي لا يعتبر آدمياً مثلهم، وبالتالي مؤهلاً أن يفعلوا به ما يشاءون. هؤلاء الجنود سخروا بعبارات عنصرية من الثقافة والهوية والعادات العراقية، وهم حتى بعد فضيحة أبو غريب قد استمروا بإساءة معاملة من يلقى القبض عليه، ومنهم عشرات الآلاف من المسئولين العسكريين العراقيين السابقين. كما يتم اعتقال الرجال العراقيين في سن الخدمة العسكرية دون دليل، وأثناء استجوابهم تساء معاملتهم أيضاً حيث تربط أيديهم برباط بلاستيكي وتغطى رؤوسهم بأكياس الرمل.

كذلك بدأت ترد منذ هذا الصيف الأخبار عن عشرات التحقيقات في عمليات احتيال وسوء تصرف تتعلق ب 1800 عقد تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، كانت قد أبرمت لتوفير خدمات في العراق خلال سنوات الاحتلال. منها التي عقدت مع شركة KBR، وهي فرع من شركة هاليبرتون العملاقة والتي استلمت مليارات الدولارات منذ عام 2001 لتوفير الطعام والمأوى للجيش الأميركي في أفغانستان والعراق، واستفادت من ارتباطها بديك تشيني نائب الرئيس الأميركي.

3- انعكاسات ونتائج

مقابل ذلك، افراد من قوات التحالف كانوا في العراق تجرأوا على فضح الرشوات والسرقات وتجارة السلاح، حتى دون تقديم فواتير (منها 190 ألف قطعة سلاح ومعدات أخرى اختفت بين 2004 و2005 ووجدت مع قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني). من هؤلاء من تعرض للاعتقال التعسفي والتعذيب من قبل الجيش الأمريكي في العراق. فكل شئ على ما يبدو يشجع عناصره على الهمجية ولا يدفعهم للتصرف بشرف وموضوعية أو للإفصاح عن الحقائق. وتكشف دراسة للاسوسيتد برس أنه خلال العقود الثلاثة الأخيرة، غالبية الذين تفوهوا بالحقائق هددوا وعوقبوا في حياتهم العائلية والمهنية.

في الولايات المتحدة، يشاع عن وجود أكثر من مائة ألف شخص ممنوع من السفر، أو يتعرض لمضايقات جمة في المطارات، ومنهم من زج به في السجن. تقول الناشطة والكاتبة المعروفة ناومي وولف في كتابها الجديد "نهاية أمريكا"، أغلب الظن أن هذه اللائحة هي لمعارضين لبوش وسياساته، وهي الطريقة الكلاسيكية للأنظمة التوتاليتارية. بدأت الكاتبة بالتحقيق في هذه اللائحة منذ 2002 وتوسعت في 2003 بعد أوامر من بوش نفسه لأجهزة المخابرات بمراقبة "الأشخاص الذين لديهم نوايا أو اتصالات إرهابية". هي نفسها لم تنفذ من المعاملة المهينة لها في المطارات، على أساس أنها مدرجة في لائحة ليس الارهابيين وإنما الآخرين، أي المدرسين والصحفيين والناشطين السياسيين الذين انتقدوا ممارسات البيت الأبيض. مثلما حصل على سبيل المثال للسناتور ادوارد كنيدي الذي اوقف وتم تفتيشه خمس مرات تباعاً في عدة مطارات أمريكية. وكان هذا مصير آخرين حيث تعرضوا للتعنيف الجسدي أو للاهانة النفسية  لتحذيرهم من مغبة ما يفعلون. ومعارضو الحرب في العراق هم الهدف الأبرز لادارة بوش-شيني، خاصة إن كانوا من الحركات النسوية أو من جمعيات المجتمع المدني النافذة أو السياسيين. حتى أن بعض التصرفات هي أقرب ما تكون للبلطجة في بلد الحرية والديمقراطية كما يطيب لبعضهم أن يتغنى. وكانت قناة التلفزيون سي بي اس قد حصلت في 2004 على لائحة من 75 ألف شخص طلب خضوعهم لتفتيش المخابرات بشكل دقيق وعند الحاجة لمنعهم من السفر.

باتت السياسة الأمريكية الجديدة تبحث في الآونة الأخيرة عن مساندة الدول العربية المعتدلة بعد أن كانت تستشيط غيظاً من تدخلاتها عندما لا تحاول تحجيم تواجدها. وفي الوقت نفسه تستمر في تشجيع الصراعات العربية/العربية وتغذية الصراعات المحلية في البلدان المجاورة للعراق من مثل فلسطين ولبنان وغيره. إضافة لبناء سياسة المحاور في الشرق الأوسط التي تستهدف إشعال العداوة مع إيران وتحقيق التطبيع مع إسرائيل. كذلك أوعزت واشنطن للأمم المتحدة بتوسيع دورها السياسي، لكن فقط في المهام التنفيذية وليس في الصلاحيات الدستورية. ذلك لتوفير الغطاء السياسي الدولي ولتكريس مقومات التقسيم وتهيئة الأجواء لتغيير مهمات قواتها وإعادة انتشارها بعد أن تحصل على شرعنة البرلمان لنهب وسرقة ثروات العراق. أما قانون النفط، فهناك إصرار أمريكي على الإسراع بإقراره وربطه بمسألة المصالحة الوطنية، من زاوية أنه يوزع الثروة النفطية على الأقاليم ويجنبها الخلافات على المصادر المالية. لكنه في واقع الحال يحرم الأقاليم التي ترفض التقسيمات العرقية والطائفية، ويعطي صلاحيات لحكومات الأقاليم للتصرف بثروة الشعب العراقي لصالح القيادات العشائرية والانفصالية والطائفية.

أما التصريحات الرسمية الأمريكية، فتستمر بتحميل إيران وسورية مسؤولية تدهور الأوضاع والتركيز على العنف الطائفي والترويج بأن الشيعة والسنة والأكراد لا يمكن أن يتعايشوا في إطار العراق القديم. ذلك كونهم في الانتخابات الماضية قد صوتوا بما يناسب مصالح الطوائف التي ينتمون لها ولأنهم يطمئنون للعيش في مناطق سكانها من نفس الطائفة، حسبما أظهرته حركات النزوح التي قاموا بها هرباً من العنف.

ووسط جدل حول جدوى سياساته، قام الرئيس الأمريكي مؤخراً بزيارة خاطفة للعراق مع أركان إدارته. وذلك بعد أن رفضت هذه الإدارة نهاية العام الماضي الأخذ بتوصيات لجنة بيكر/هاملتون التي دعت لتخفيض عدد القوات الأميركية في العراق وتحويل دورها إلى قوة إعداد وتدريب للقوات العراقية. كما للتفاوض مع إيران والجوار الإقليمي للعراق، ولإقامة مؤتمرات دولية لمعالجة أزمات العراق والمنطقة بكاملها. ومع انفراط عقد تحالفاته الدولية لاحتلال العراق وقرار بريطانيا بسحب قواتها من البصرة وحصر دورها في تدريب القوات العراقية، جاءت هذه الزيارة لمحافظة الأنبار كعملية علاقات عامة. كوسيلة ضغط إعلامية وسياسية على الكونغرس للحصول على موافقته باستمرار تمويل القوات الأميركية في العراق ووقف الضغط من أجل جدولة انسحابها. ذلك ولو قبلت بإعادة بضعة الآف من هذه القوات لوطنها قبل نهاية العام.

كان السيناتور الديمقراطي جوزيف بايدن قد رأى بأن من يرسم سياسة بوش يخطط لبدء انسحاب للقوات الأمريكية على دفعات صغيرة قبل أعياد الميلاد. بحيث مع اقتراب الإنتخابات الرئاسية لا يبقى سوى أقل من 100 الف جندي في العراق متحصنين في قواعدهم. لكن الواشنطن بوست ذهبت إلى أن البيت الأبيض ينوي المضي في إستراتيجيته التي بدأها في يناير/كانون الثاني حتى الربيع المقبل, وليس الخضوع لضغوط الديمقراطيين. وسيضاف مبلغ الخمسين مليار دولار إلى 460 ملياراً طلبتها الإدارة في موازنة الدفاع لعام 2008 وإلى 147 مليار تستخدم لتمويل العمليات في العراق وأفغانستان.

أما مكتب محاسبة الحكومة، وهو جهاز تحقيق تابع للكونغرس، فكان قد نشر تقريراً عن الأهداف التي تحققت في العراق منذ غزوه. وقد سرّبت الواشنطن بوست جزئية منه ذكرت أن ثلاثة أهداف فقط من بين 18 هدفاً حددتها واشنطن تحققت في العراق. هذه المعلومة تتناقض مع تقرير أكثر إيجابية أصدره البيت الأبيض الشهر الماضي جاء فيه أن ثمانية أهداف من بين 18 تحققت في العراق. كذلك كان من الذين انتظروا تقرير بتراوس وكروكر، الذي عول عليه البيت الأبيض، أن استنتجوا أن الجبل تمخض فولد فأراً. فقد أوصى الأول بخفض عدد الجنود الأمريكيين في العراق بمقدار 30 ألفاً حتى صيف العام القادم، بفضل النجاحات كما وصفها التي حققتها قوات بلده على الأرض وبفعل تحسن الوضع الأمني في العراق. أما السفير كروكر فما كان منه سوى توجيه الاتهام لسورية وإيران بعدم مساعداتهما على منع تسلل المسلحين إلى العراق.

باحث من مركز السياسات الدولية الاستراتيجية رأى بعد زيارة ميدانية للعراق أن الولايات المتحدة لن تغادر هذا البلد قبل عشر سنوات. كما أن احتمالات نجاح سياساتها ستبقى مهما فعلت أقل من خمسين في المائة، وأنها ستواجه أخطاراً ومشاكل عسكرية وتحديات استراتيجية وسياسية وأخلاقية مستمرة بغض النظر عن الخيارات التي ستتخذها. أما قائد قوات التحالف في العراق في 2003، ريكاردو سانشيز الذي استقال اثر فضيحة أبو غريب، فقد انتقد بشدة القيادتين السياسية والعسكرية الأميركية في العراق، معتبراً أنها أدت لأن تعيش الولايات المتحدة "كابوساً لا نهاية له". وأن هناك "محاولة يائسة من طرف إدارة لا تقبل الوقائع السياسية والاقتصادية لهذه الحرب".

لقد سعى الرئيس الامريكي جهده لإعاقة جهود مقاومة الاحتلال ولجرّ بعض الأطراف العراقية للدخول باللعبة الأمريكية ونقل الصراع بين الطوائف لداخل كل منها. وما زال يصر على أن الحرب في العراق هي الجبهة الأمامية للحرب على الإرهاب وجماعات القاعدة. كما لم يتوان عن رفع الخطر الإيراني لحالة مساوية لخطر إرهاب القاعدة على أميركا والقوات الأميركية وعلى عموم المنطقة والعالم. ومع سقوط رموز مهمّة في إدارته وبداية العدّ العكسي لزمنها، الذي بدأ منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في الانتخابات الأميركية الأخيرة، لم يسقط بعد النهج السياسي لهذه الإدارة في كثير من القضايا. تقرير للاستخبارات الأمريكية صدر مؤخراً يتحدث عن مستوى العنف الذي ما زال عالياً في العراق وعن عدم قدرة السياسيين العراقيين على الحكم بفاعلية. بما يبرر لأمريكا تواجد طويل الأمد في هذا البلد أو حسم المشكلة الايرانية قبل انسحابها منه فيما لو انسحبت.

أما الذين ترشحوا من الديمقراطيين للانتخابات الرئاسية للسنة القادمة في الولايات المتحدة، فقد رفض ثلاثة منهم التعهد بسحب القوات الأميركية من العراق بحلول نهاية مدة الرئاسة المقبلة عام 2013. وإن تكلموا عن الانسحاب فلأغراض انتخابية داخلية وللهجوم على سياسة الجمهوريين والإدارة الحالية.

وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد تبنى منذ مدة وجيزة قراراً غير ملزم، وضع بوحي من اتفاق دايتون الخاص بالبوسنة، يدعو لإنشاء وحدات فدرالية على أساس عرقي وطائفي في العراق. هذا البلد الذي كان مكوناً من ثلاث كيانات إدارية، ألغيت مع اتفاق سايكس بيكو لتتشكل الدولة المركزية. يحث القرار على دعم مشروع المصالحة بين المكونات الرئيسة في العراق والسماح بإنشاء مناطق فدرالية مع بقاء العراق موحداً. كذلك على توزيع الثروات النفطية بالتساوي بين العراقيين للمساعدة في ترسيخ النظام الفدرالي. قرار مجلس الشيوخ هذا قد يصبح ملزماً للإدارة الأميركية، حيث يعتبر تهيئة لشكل السياسة التي تسعى الولايات المتحدة لتطبيقها في العراق في المستقبل القريب. لكن قائد القيادة المركزية الأميركية سابقاً، أنتوني زيني، طرح في دراسة له حول مستقبل العراق، إنه على الرغم من أن العراق دولة "مصنعة تم تركيب أقاليمها" أوائل القرن العشرين فلن يجدي نفعاً اليوم وجود دولة مقسمة بين سنية وشيعية وكردية.

كان الرئيس العراقي جلال الطالباني، الذي توقع أن تسحب الولايات المتحدة أكثر من 100 ألف من جنودها من العراق بحلول نهاية العام 2008 وبوتيرة أسرع مما تحدث عنه القادة العسكريون الأميركيون علنا، قد اقترح بقاء ثلاث قواعد عسكرية أميركية في شمال وجنوب ووسط العراق. تبرير ذلك "من أجل التدريب وتوطيد استقرار العراق ومنع جيراننا من التدخل في شؤونه".

لكن منذ مدة بدأ اجلاء لمئات العراقيين الذين تعاونوا مع قوات الإحتلال ضد مواطنيهم. كما وتتوارد الأخبار عن اقبال سياسيين، كانوا قد عادوا إليه مع قوات الاحتلال في ابريل 2003، على حملة لشراء منازل في لندن وجوارها والتحضير لمشاريع تجارية بعد مغادرته. مسؤولة أمريكية كبيرة كانت قد صرحت أن بلدها ستسرع في قبول طلبات هجرة العراقيين الذين عملوا مع جيشها في العراق، وذلك بعد انتقادات الكونغرس لاستيعاب العدد القليل جداً منهم منذ غزو العراق في عام 2003. فاعادة التوطين في الولايات المتحدة قد تزيد هذا العام من معدل الهجرة الى أكثر من الضعف. أما العدد الأصلي الذي تم التداول به فلا يتجاوز سبعة آلاف شخص، منهم مترجمين عراقيين يقال بأن حياتهم مهددة من المقاومة التي اعتبرتهم خونة لعملهم مع الأمريكيين. وكانت الدنمارك قد قامت في 22 يوليو 2007 بعملية سرية قضت بنقل نحو 200 عراقي مع أسرهم جواً إلى خارج البلاد لتعاونهم مع قواتها. تبع ذلك سحب 500 جندي دانمركي من العراق.

يعتبر د. خير الدين حسيب أن العملية السياسية الجارية في العراق قد فشلت. فمعظم الوزراء لا يستطيعون الذهاب إلى وزاراتهم ونصفهم مستقيل والحكومة غير قادرة على القيام بمسؤولياتها الأساسية في توفير الأمن. وذلك رغم العمليات العسكرية الواسعة التي تنفذها القوات الأمريكية ونشر 30 ألف جندي أمريكي إضافي منذ شهر شباط/فبراير الماضي. الأمر نفسه ينطبق على الخدمات حيث في بغداد مثلاً الكهرباء لا تتوفر لأكثر من ساعتين في اليوم، وأحياناً تنقطع لأيام. أما المياه فهي في معظمها غير نقية، مما جعل الكوليرا تنتشر. بما يتعلق باللجنة المكلفة بتعديل الدستور، فهي لم تنجز عملها، ومجلس النواب لم يناقش تعديلات الدستور رغم انتهاء المدة المحددة لذلك، والاستفتاء عليه ما زال معطلاً. علاوة على ذلك، الائتلاف الذي دعم الحكومة "بدأ يتفكك عندما انسحب منه حزب "الفضيلة" و"التيار الصدري"، اللذان كان المجلس الأعلى الإسلامي يضمهما في حزب الدعوة. كما انسحبت كتلة "التوافق" والقائمة "العراقية" و"التيار الصدري" من الحكومة الحالية، وأمريكا غير قادرة حتى على إقامة حكومة بديلة من هذا الخليط". أما بالنسبة إلى القوات الأمريكية التي من مسؤوليتها أن تفرض الأمن، فقد بلغ عدد قتلاها حتى تاريخ 17/9/2007 (3773) والجرحى حوالى (28) ألفاً، ونصفهم غير قادرين على العودة إلى الخدمة بسبب تشوهات وحروق وفقدان اعضاء واصابات عقلية وغيره. وهذه القوات غير قادرة على تدريب قوات عراقية كافية لتحل محلها. وحيث هذه لا تستطيع العمل منفردة فقد تراجع عددها، علاوة على افتقارها للسلاح.

هناك أطراف عديدة تراهن على افشال المقاومة الوطنية للمشروع الأمريكي، رغم  الخلافات الطبيعية بين فصائل المقاومة، والتي تعود لعوامل سياسية وفكرية وقبلية وحزبية وارتباطية بأطراف خارجية داعمة ومختلفة في أهداف الدعم وأشكاله. وأيضاً رغم بروز أشكال جديدة للتعاون بين قوات الاحتلال وعدد من هذه الفصائل وما سمي بزعماء العشائر ومجالس الانقاذ في تحضير لخفض عدد هذه القوات في المستقبل القريب. وهناك من يذهب للاعتقاد باكتشاف الأمريكان لخطأهم في المراهنة على القوى الشيعية واستبعاد الأطراف السنية ومن ثم رغبتهم في تغيير المسار السابق وإعادة النظر في قانون اجتثاث البعث، وتركيبة الجيش والأجهزة الأمنية وتعويض المتضررين في مناطق الأنبار والإفراج عن بعض المعتقلين واستمالة أطراف من السنة وإثارتهم ضد الوجود الإيراني.

الأمر الذي يحمل مخاطر جمة على الجميع ويمعن في تقسيم البلد بين طائفتين متنافستين يستفيد من خلافاتها المحتل وتكون على حساب وحدة العراق واستقلاله. لكن الوعي بحقيقة ما يجري عند أطراف من هذه الفصائل وتقديرها الدقيق للموقف أوصل ست فصائل عراقية رئيسية لتشكيل المجلس السياسي للمقاومة العراقية والدعوة لتحرير العراق من النفوذ الأجنبي للوصول إلى الاستقلال الكامل. يضم المجلس جبهة الإصلاح والجهاد التي تنضوي تحتها أربع فصائل هي: الجيش الإسلامي وجيش المجاهدين وجيش الفاتحين والهيئة الشرعية لأنصار السنة، بجانب حركة حماس العراق والجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية.

من ناحية أخرى، وضمن الخطوات لترتيب الأوضاع في المستقبل القريب، يذهب د. بول روبرت، اقتصادي عمل في ادارة ريغن، لتحذير مواطنيه في مقال نشره على الانترنت من 11 ايلول جديد. وذلك بتخطيط من بوش وتشيني، بهدف توسيع سلطات الرئيس وشن حرب على ايران للتخلص من عقدة هزيمة أمريكا في العراق. وفي هذا الصدد كتب ويليام غريغ عن أن الجمهوريين باتوا يتمنون هجمة إرهابية على بلدهم كي لا يخسروا الانتخابات القادمة. كذلك هناك حملات اعلامية لرفع وتيرة الخوف من هجمات ارهابية قد تفتعلها هذه الإدارة أو تتركها تحصل دون أن تردعها. بما يقوي من حربها على الإسلام وعلى الحكومات التي لا تقف معها، ويساعدها على وضع يدها على الثروات النفطية، ويساعد اسرائيل على ابتلاع جيرانها او تفتيت مقاوماتهم. والشركات الكبرى ماضية في تحضير الرأي العام عبر قنواتها الاعلامية كما يحصل عادة.

من ناحية أخرى، ومع انتكاس خطط الإدارة الأمريكية في العراق بنوع خاص، فقد قررت تقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط وانقاص استهلاك البنزين بنسبة 20 في المائة في السنوات العشر القادمة. وذلك بالاعتماد على الإيثانول وبدائل أخرى تشكل حالياً نحو 11 في المائة من إجمالي استهلاك أمريكا للنفط. لذا تحولت مزارع عديدة في هذا البلد إلى منشآت لإنتاج الوقود الحيوي أو البيولوجي، والذي هو عبارة عن زيوت قابلة للاحتراق ومستخرجة من النباتات المزروعة أو الطبيعية بما فيها زيت الذرة أو بذرة القطن. أو المحضّرة من معالجة المواد والعصائر الطبيعية، خاصة الكحول المحضّر من تخمير العصائر السكرية الطبيعية مثل قصب السكر. الأمر الذي أدى لارتفاع أسعار المواد الغذائية بدرجات عالية.

يذكّر عمر نجيب بأن نسبة المزارع التي تحولت إلى هذه المنشآت عام 2006 ازدادت بنسبة 48 في المائة، مع زيادة الأرباح الناتجة عن تخفيض الضرائب على منتجي الوقود الحيوي. وهذا الواقع سيخلق انعكاسات مباشرة على الموارد الغذائية سواء للإنسان أو للمواشي، وعلى انخفاض المخزون العالمي من الحبوب وارتفاع أسعار الحبوب 100 في المائة. وبالتالي سيزيد من نقص الغذاء في العالم. الأمر الذي جعل عدة منظمات وهيئات دولية تحذر من التوسع في انتاج الوقود الحيوي. وكان جون زيغلر، المقرر الخاص المعني بالحق في الطعام بالأمم المتحدة، قد حذر من ان استخدام قصب السكر والذرة لتوليد الوقود الحيوي يمكن أن يؤدي إلى وفاة آلاف الأشخاص في أنحاء العالم جوعاً.

لكل هذه الأسباب مجتمعة، يجد أبناء هذه المنطقة أنفسهم اليوم أمام مرحلة خطرة تنتهج الاستمرار وحتى التصعيد في إشعال الحروب والمضي قدماً في الطريق المسدود، بدل مراجعة السياسات وأساليب العمل. ولو من باب الضنّ بمصلحة الحزب الجمهوري إن لم نقل المصلحة الوطنية الأميركية، وكي لا نتحدث عن مصالح البلدان الواقعة في قبضتها. وللأسف، هذا الوضع المتردي ما زال يترافق بغياب تضامن عربي فاعل، بل شرذمة وانتظارية وشئ من التدمير الذاتي. الأمر الذي يشكل خطراً متصاعداً على المنطقة بكاملها.

4-التهجير القسري

واحدة من نتائج احتلال العراق في 2003 هي التهجير القسري الذي ما زال متواصلاً حتى اليوم، إذ يلجأ شهرياً خمسون ألف عراقي إلى بلدان لجوء خارج بلدهم. يقابلهم مثل هذه العدد أو أكثر ممن نزحوا داخله. وكانت أول موجة تهجير من القائم والفلوجة والرمادي، ذهبوا بالآلاف لمدارس فارغة وأماكن مهدمة وللصحراء وغيره داخل البلاد ضمن مخطط اعادة هيكلة ديمغرافية.

هذا النزوح والتهجير، الذي يعد بمثابة أكبر هجرة جماعية قسرية تحصل منذ الحرب العالمية الثانية حسب مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، يعتبره معظم من تحدثنا إليهم أكثر من مجرد نتيجة عرضية لأعمال التدمير والقتل. منهم من يراه جزءاً من مشروع الاحتلال الأمريكي أو ضمن التصور الإيراني لعراق ما بعد الاحتلال الأمريكي. ووفقاً لأكثر من شهادة لمواطنين، كانوا ضحايا الحصار الاقتصادي ثم الاحتلال قبل اضطرارهم لمغادرة وطنهم حرصاً على حق الحياة، الهدف هو تقسيم العراق إلى دويلات طائفية. ذلك بدءاً من حل الجيش، وتفكيك مؤسسات الدولة الخدمية والاقتصادية وحتى الثقافية، ونهب وتدمير بعضها الآخر، وحصار المدن والبلدات، والاستعمال المفرط للقوة ضد المدنيين، والاعتقالات الجماعية، واستعمال أكثر أنواع التعذيب وحشية، واطلاق فرق الموت وبلاك ووتر لاكمال ما تقوم به الجيوش النظامية. كذلك لتسليم السلطة لأطراف على أسس طائفية، ومحاولات فرض الدستور والتقسيم والفدرالية بالقوة. يتقاسم هذا الرأي العديد من مراكز البحوث الغربية. وليس من الغريب أن يكتب جورج تينيت في مذكراته "في قلب العاصفة" التي نشرت صيف 2007: "سرعان ما تبيّن لنا وللعراقيين بوضوح أنّ هدف الغزو الأميركي هو في الأساس إعادة تشكيل مجتمعهم".

إعادة التشكيل ليست فقط سكانية، وإنما اقتصادية وزراعية وإدارية وقانونية، حيث الآلية بيد صانع الاحتلال والفتنة. فلا ننسى أن قرار 81 لبريمر يوقف أيضاً الزراعة النمطية العراقية ويحتكر توزيع البذور ويوقف المعامل. ذلك إضافة لضرب الزراعة بالملوثات الكيماوية ووقف الانتاج وظاهرة التصحر. ولا يغيب عن ذاكرتنا أنه سبق ذلك حصار شامل وما يعتبر جريمة إبادة جماعية لم يحصل مثله من قبل. إضافة لفرض منطقتي حظر الطيران شمالي وجنوبي العراق عامي 1991 و1992 بحجة "حماية الأكراد والشيعة"، والتي لم تكن سوى خطوات متتالية ضمن مخطط لتفكيك العراق وتهجير سكانه وتغيير تركيبته السكانية. لكن مع الاحتلال ازدادت وتيرة التهجير القسري، ويبدو أن هناك مخطط لتوطين اللاجئين في أماكن لجوئهم.

لذا يعتبر البعض أن المنظمات الدولية تغض الطرف عن اللاجئين لهذا السبب. كما وهناك شكاوى من حالات كثيرة سؤل فيها طالب اللجوء عن طائفته، بحيث يتم اجتذاب الكتلة السنية للأردن، ويتحدثون عن مخطط لدمج غرب العراق مع شرق الأردن (الفلسطيني). أما عمليات تهجير المسيحيين فتتم باتجاه سورية ولبنان، وللأكراد دور في ذلك كما يعتبر البعض. لكن منذ متى كان هناك صراع اجتماعي على أساس طائفي، يتساءل آخرون؟ ألم يتعامل النظام السابق مع الرافضين السنة كما مع الشيعة؟ لقد كان هناك تزاوج طائفي، لكن بات الآن على الشيعية والسنية أن تتحول لثقافة وأن يتحول مجرى الصراع الطبقي والاجتماعي لخدمة اقتصاد السوق. لقد قسم الاحتلال الفئات البشرية وحتى المنظمات غير الحكومية بين داعم للاحتلال ورافض له. ومن الأجدى كما يقترح بعضهم تسمية من خرجوا من منازلهم بالهاربين وليس باللاجئين، كي لا يشبّهوا باللاجئين الفلسطينيين الذين يقاتلون اليوم من أجل حقهم بالعودة لبلدهم.

يقول د. عبد الواحد الجصاني: "رغم أن هذا التهجير القسري للعراقيين يعتبر في الاتفاقيات والنصوص الدولية جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية وجزء من جريمة العدوان، إلا أن هذه القضية لم تنل من المجتمع الدولي ومؤسساته أو الدول العربية ومؤسسات العمل العربي المشترك إهتماماً جدّياً رغم ما تمثله من تهديد خطير للسلم وللأمن الدولي والإقليمي. كما أن الجامعة العربية لم تناقش ما يمثله التهجير القسري للعراقيين، وإحلال إيرانيين محلهم من تهديد خطير لهوية العراق العربية وللأمن القومي العربي. أما منظمات الأمم المتحدة المتخصصة (اليونيسف / برنامج الغذاء العالمي /مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان/ المفوضية السامية للاجئين / منظمة الهجرة الدولية/ اليونسكو/ وغيرها)، فلم تفكر في إعداد برنامج إغاثة واسع يتناسب مع حجم الكارثة. ولم ينشط الصليب الأحمر، الذي عهد له المجتمع الدولي بالسهر على التطبيق الدقيق للقانون الدولي الإنساني ومراقبة تنفيذ الدول إلتزاماتها بموجبه، لكشف أبعاد هذه الجريمة والمطالبة بالوقف الفوري لها وإعادة المهجّرين الى مساكنهم. لكن يبقى أن أركان الجريمة المادية والمعنوية ثابتة والمتسبب بها هو المحتل الأمريكي وإيران وكل من شارك أو ساعد أو شجّع أو سهّل للإحتلال الأمريكي - الإيراني المزدوج للعراق، ولهذا فهذه الجريمة لا تسقط بالتقادم. والسؤال هو كيف نعمل نحن العراقيين على خلق رأي عام دولي يضع دول العالم والمؤسسات الدولية المعنية أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية لوقف هذه الجرائم التي يشهدها العالم المعاصر، ولإعادة المهجّرين الى ديارهم وتعويضهم وإحالة الجناة الى المحاكم الجنائية الدولية المختصّة؟"

خلال سنوات المأساة هذه، كان هناك نخبة هامة من حملة الاختصاصات، والذين تزيد نسبتهم عن أي بلد عربي آخر (كان يوجد 54 جامعة في العراق مقابل 4 في سورية)، قد أسرعوا للرحيل عن العراق قبل أن تتم تصفيتهم الجسدية في بلدهم. فقد دخل، حسب زعم البعض، من الموساد 800 عنصر لتصفية الاكاديميين أو تهجيرهم بالقوة. لتبدأ مع ذلك أزمة من نوع آخر لمعظمهم هذه المرة، والنفسية ليست أقلها. بحيث تضيع امكانات هائلة في بطالة أو في أعمال لا توازي قدراتهم، كما وتهدر أموال كانت قد صرفت على تكوينهم دون أن يجدوا لها استثماراً ممكناً. حيث يمنعون من العمل والحركة والتفكير ويعيشون دون رواتب تسد الرمق. لقد رأينا منهم من يحاصر دموعاً في مقلتيه حيث ترفض كبرياءه  ذل الاستجداء أو حتى الحديث عما آلت إليه الأحوال. فلا أوراق اقامة رسمية أو جوازات سفر تستحق التسمية او رواتب تقاعد أو رعاية مطلوبة من الوطن. أما العمل فليس لهم الحق به. وهناك دول عربية من مثل الاردن، يوجد قسم من مخابراتها من السي أي اي، كما يزعم عراقيون فضلوا البقاء في سورية. رغم أن الطالباني كان قد طالب بالضغط عليهم لاخراجهم منها. لكن إلى أين يذهبون والمنافذ سدت بوجههم، وهم لا يستطيعون حتى لدى دعوتهم لمؤتمرات الحصول على فيزا لمصر أو لبنان أو الأردن.

أما الولايات المتحدة، التي رصدت مئات المليارات لتغطية نفقات حربها على العراق، لم تجد ما تفعله من أجل اللاجئين العراقيين الذين فروا من بلدهم للنجاة بحياتهم والحفاظ على كراماتهم واعراضهم من بطش الجيش الأمريكي والمرتزقة المستأجرة للكيد بهم. وأيضاً من تفظيع ميليشيات رجال الحكم الجديد.

لكن إن كانت هذه القوة المتغطرسة قد دخلت العراق لتنفيذ مآربها المرسومة منذ وقت طويل، فما بال الأمم المتحدة والتي برز تورطها الرسمي في حرب الخليج الأولى وفي الحصار الجائر على العراق لمدة 13 سنة وفي غض الطرف عن استعمال الأسلحة المحرمة دولياً وما سببته من تلوث بيئي وتشوهات وأمراض لأجيال من العراقيين وأطفالهم ومن لم يلدوا بعد؟ هذه الهيئة الدولية التي تورط موظفوها بقصص فساد واهدار أموال الشعب العراقي تستمر في إدارة ظهرها لحاجات هذا الشعب في داخل وخارج العراق.

منظمات هذه الهيئة من المفوضية العليا للاجئين واليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية تتصرف بشكل بيروقراطي وبعيد عن الشفافية والحس السليم بمخصصات شحيحة للاجئين لا تتعدى بضعة عشرات الملايين. وهي لا تساوي شيئاً مما يجنيه مهربو نفط العراق من أرباح، حين يزعم لاجئون عراقيون من الذين قابلناهم أنه في مطلع كل يوم يسرق نصف مليون برميل نفط ويسرّب لإيران بربع القيمة، علاوة على ما يسرقه الأمريكان، وهو يقدّر بأكثر من ثلاث ملايين برميل يومياً. أو لا تساوي كلفة ساعات تصرف على القوات الأمريكية (التي يجري الحديث عن أنها لن تنسحب بل ستبقى بشكل دائم في العراق ضمن قواعد مخصصة لها). أما هؤلاء اللاجئون الذين باسمهم تطلق حملات لجمع تبرعات، كيف لهم أن يقبلوا وضعهم وهم يعلمون بأن بئراً في شرق البصرة يكفي ميزانية العراق لمدة 33 سنة حتى ولو بيع البرميل بخمسين دولاراً؟ هل خطأهم أنهم فضلوا الفرار من بلدهم على الموت بالجملة والتفصيل في حملات تطهير وخطف وتعذيب في سجون ابو غريب ووزارة الداخلية وغيرها من سجون سرية منها ما لم يكشف بعد؟

صحيح أن هناك من فضّل البقاء ببلده والذود عنه وتقديم حياته ثمناً لتحريره، وهؤلاء هم من لهم كلمتهم في مستقبله، لكن هل يمكن اعتبار من خرج للنجاة بحياته خائناً؟ أم هل يفترض أن يكون متعاملاً مع الاحتلال ليرضى عنه حكام عراق اليوم؟ بكل الأحوال المسئول الأول عما آل إليه وضع اللاجئين ومن اقترف هذه الآثام بحقهم هو ليس فقط الاحتلال وإنما أيضاً من ساعده وسهّل له. هؤلاء هم من يجب متابعتهم ومحاسبتهم قانونياً وفرض تعويضات عليهم. تعويضات تشمل ليس فقط الأضرار المادية التي طالت الضحايا، وإنما أيضاً المعنوية التي ألمّت بهم خلال هذه المرحلة-المأساة من حياتهم. فالجريمة التي ارتكبت بحق شعب العراق حتى ولو تواطأت عليه القوى الدولية النافذة وقلبت المعايير لتبريرها، تبقى جريمة. يجب آجلاً أم عاجلاً أن يصار لرفع دعاوى باسم الذين تضرروا لتعويض رمزي لكرامتهم وحقهم في الحياة كباقي بشر الأرض الذين يعيشون في ظل سيادة كيانات تسمى عن حق أوطان.

5- فلسطينيو العراق

الفلسطينيون هم الفئة الأكثر استهدافاً من سكان العراق والذين تعرضوا للتنكيل بهم بصفتهم كذلك. خاصة منذ سقوط النظام السابق واتهامهم بتأييد الرئيس المخلوع صدام حسين وبأنهم حظيوا بمعاملة تفضيلية في عهده. علاوة على أن معظمهم من العرب السنة، وبالتالي يشتبه بأنهم يدعمون أو يتعاطفون مع بعض السنة المتمردين ضد الحكومة. ولذا ومنذ الشهرين الأولين للاحتلال في 2003، قامت اللجنة العربية لحقوق الإنسان بدق ناقوس الخطر في تقرير ميداني عن أوضاعهم صدر بعدة  لغات وتبنته أهم المؤسسات الدولية كمرجع.

كان يوجد في العراق قبل الغزو الأنغلوأميركي في مارس/ آذار 2003 حوالي 30 ألف فلسطيني مسجل لدى مفوضية اللاجئين. عددهم الحقيقي كان أكبر من ذلك، إلى أن تراجع بعدما أصبحوا هدفاً لهجمات المليشيات وتعرضوا للاضطهاد. وتعتبر المفوضية أن فلسطينيي العراق معرضون للخطر. إذ يجري تعقبهم واختطافهم وتعذيبهم، وفي بعض الحالات قتلهم من دون أن تتخذ الحكومة العراقية والقوات الاجنبية أية خطوات فعالة لحمايتهم. بحيث أن ما بين 200 و300 شخص قد قتلوا، حيث يتم العثور على جثثهم في المشارح أو في القمامة على قارعة الطرق. وكثيراً ما تكون مشوَّهة أو تظهر عليها آثار التعذيب. وقد أرغم العديد منهم على الفرار من منازلهم بعد تلقي تهديدات بالقتل. منهم من بقي يختبئ داخل العراق، ومنهم من استطاع الفرار إلى خارج الحدود وعاش في ظروف قاسية للغاية. في مخيمات منصوبة في مناطق صحراوية تفصل العراق عن سورية والاردن. وهم يواجهون عقبات كبيرة في دخول كل من سورية والأردن، كما في الحصول على توطينهم في بلدان أخرى. مخيم الرويشد الذي أقيم ضمن مخيمات أخرى في الصحراء الاردنية، والذي يحوي نحو ألف شخص منهم، لم تستطع الأمم المتحدة خلال 3 سنوات اقفاله لسبب فشلها في ايجاد بلدان تستقبل نزلاءه.

تقدر مفوضية اللاجئين عدد الفلسطينيين المقيمين في ظروف مأساوية في مخيمات على طول الحدود بين سورية والعراق بحوالي 1400. فعدد اللاجئين بمخيم الوليد، واحد من المخيمات على الحدود السورية، كان قد ارتفع سبع مرات خلال خمسة أشهر، مع استمرار الهجمات التي استهدفت الفلسطينيين في بغداد. ومرة أخرى كان حريق قد شب قبل فترة وجيزة في مخيم التنف، الذي يحوي 341 لاجئاً، نتيجة اشتعال أنبوبة غاز بإحدى الخيام. تضررت من هذا الحريق، الذي أتى على 33 خيمة بجميع محتوياتها، 11 عائلة فلسطينية. وبلغ عدد المصابين 41 فرداً نتيجة الاختناق والحروق والتدافع. وقد وجه اللاجئون نداء استغاثة لانقاذ المتضررين من الحريق والذين فقدوا كل ما يمتلكونه من خيم ومواد غذائية وحاجيات وباتوا في العراء.

كانت مسؤولة ملف الحماية بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة قد وصفت أوضاع اللاجئين في هذه المخيمات بأنها خطيرة. وهي تزداد سوءا مع حرارة الصيف وصقيع الشتاء ونقص الرعاية الطبية التي تطال بشكل خاص الأطفال. فمخيم الوليد يحوي طبيباً واحداً هو أيضاً لاجئ فلسطيني. كما يفتقر لإمدادات مياه منتظمة، بحيث يحصل اللاجئ كل يومين على 1.5 لتر من مياه الشرب المعبأة في زجاجات. وهو يبعد عن أقرب مستشفى في العراق أربع ساعات في السيارة على طريق تمر بمناطق خطرة. في الوقت الذي لا يسمح لمفوضية اللاجئين بالتواجد فيه بشكل متواصل لأسباب أمنية.

لفتت المسئولة للإجراءات المعقدة قدوماً من سورية للوصول إلى المخيم، ومن انعدام الأمن في الطرف العراقي، بما يعرقل جهود الإغاثة، معتبرة : "أنها لمأساة أن يبدأ الموت في حصد أرواح هؤلاء الناس بسبب أمراض يمكن الوقاية منها بعد ان تمكنوا من الفرار من العراق للنجاة بأرواحهم". وكان اللاجئون قد دعوا المؤسسات الإنسانية التي تشرف على مخيماتهم, للم شمل العائلات الفلسطينية بين مخيمات التنف والوليد والهول في مدينة الحسكة السورية. فنداء مثلاً التي تعرضت لحادث حريق في مخيم الوليد وتتلقى العلاج وحيدة في احدى الدول العربية، تعيش والدتها في مخيم التنف ووالدها في مخيم الوليد.

كانت سورية قد توقفت عن استيعاب لاجئين فلسطينيين من العراق بعدما سمحت بدخول 250 منهم قبل نحو عام. فتركت الفرصة فقط للحوامل والمرضى من مخيم التنف بالعبور من أجل العلاج في مستشفياتها، على أن تعيدهم اليه بعد انتهاء الحاجة للبقاء. وسورية التي تستضيف 430 ألف لاجئ فلسطيني، مسجلين لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة (أونروا)، طالبت بلدان أخرى بالمنطقة باستيعاب جزء من اللاجئين الفلسطينيين الآتين من العراق. وقد وصل المطاف بهؤلاء إلى الهند وكندا والنيروج وماليزيا وقبرص وتركيا، بعد أن رفضت كل من سورية والاردن استقبال العالقين على حدودها منذ سنوات في مخيمات التنف والوليد والرويشد. ولو أن التوطين لا يتم إلا بالقطارة، وافقت مؤخراً الحكومة التشيلية على استضافة مائة لاجئ من الحدود. أما البرازيل فقبلت 97 لاجئاً من مخيم الرويشد على الحدود العراقية الأردنية، كما وعلمنا خلال كتابة هذا التقرير بقرار نقل ثلاث عائلات فاسطينية من مخيم الوليد الصحراوي إلى الاردن لاعادة توطينهم في البرازيل. وكانت السودان قد وافقت على استضافة اللاجئين الفلسطينيين العالقين على الحدود السورية العراقية, دون أن تتضح طبيعة المكان والظروف التي سيعيش فيها اللاجئون.

كان قد وصل منذ نحو سنتين إلى الهند حوالي 500 لاجئ فلسطيني عن طريق سورية بانتظار قبولهم كلاجئين في دول أخرى. وكمعظم اللاجئين الذين يعانون من الغربة وقلة ذات اليد وعدم امتلاك لغة البلد ومعرفة عاداته، يشعرون بأن المجتمع الهندي لا يقبلهم. خاصة وأنهم يعيشون في أحياء الهندوس الذين لا يأكلون اللحم ولا يختلطون بالأجانب. أما السبب بوصول بعضهم للهند يعزيه أحدهم لمهرب عراقي كردي كان قد وعد مجموعة بايصالها إلى نيوزيلندا مقابل 7000 دولار أميركي للشخص. وتولى هذا المهرب تدبير جواز سفر عراقي مزور وأوراق أخرى. لكنه ما أن اوصلهم إلى الهند حتى أخذ منهم بقية المبالغ المتفق عليها والجوازات بحجة الحصول على تأشيرات من سفارة نيوزيلندا ثم اختفى، تاركاً هؤلاء في أرض مجهولة لا يعرفون بها أحداً. وبعد أن قاموا بالتسجيل في مكتب الأمم المتحدة كلاجئين، صرفت لهم معاشات لا تكفي لسد أبسط حاجات الحياة، وهي 2245 روبية (56 دولارا) لرب الأسرة و750 روبية (18.75 دولارا) لكل فرد. أما السفارة الفلسطينية هناك، فهي على حد قولهم لا تتصل بهم مطلقاً ولا تقدم لهم مساعدات. كما وترسلهم لمكتب الأمم المتحدة إن حاولوا الاتصال بها، وأحياناً تهينهم إن الحّوا بالطلب.

6- العراقيون في دول الجوار

قبل تناول وضع اللاجئين العراقيين في سورية، سنعرج بكلمتين على وضعهم في الأردن حيث هناك شريحة هامة ذات امكانات مادية عالية مقارنة بمن قدم لسورية (على الأقل مائة ألف بين تجار ومتمكنين حسب معلومات عراقيين). وكانت الحكومة الأردنية قد طلبت منذ حوالي ثلاث سنوات من مؤسسة نرويجية إحصاء عدد اللاجئين العراقيين، وقدرت هذه الأخيرة العدد بحوالي 250 ألف لاجئ. لكننا اليوم نسمع عن أكثر من 700 ألف عراقي موجود في هذا البلد. وكي يحصل العراقي على حق الاقامة في الاردن عليه أن يؤمن في البنك مبلغاً يتراوح من 20 ألف دولار إلى 70 ألف. بل وكان يمنح الجنسية الأردنية في بعض الأحيان لقاء مبلغ من المال، خاصة في السنة الأولى للحرب. هذه الإقامة تجدد كل سنة إلى أن أغلقت السلطات الأردنية باب الدخول إلى الأردن في وجه العراقيين مؤخراً لعدم تمكنها من استيعاب أعداد إضافية على حد زعمها.

لقد بات العراقي اليوم بحاجة إلى فيزا للدخول إلى الأردن، ويترتب على تأخره بمغادرته غرامة قدرها حوالي 2 دولار عن كل يوم يبقى فيه بالأردن بعد انتهاء مدة التأشيرة. وهناك تقييدات على تعليم الطفل العراقي في المدارس الحكومية. لكن نتيجة اجتماع الدول المضيفة للعراقيين الذي انعقد في 26 تموز الماضي في عمان، أعطت السلطات الأردنية موافقتها على قبول الطلاب العراقيين في المدارس الحكومية للعام الدراسي الجديد دون اشتراط الحصول على الإقامة. كما وحصلت الحكومة الاردنية من هذا المؤتمر على مبلغ 250 مليون دولار من أجل مساعدة اللاجئين العراقيين. وسمعنا بمبلغ مليار دولار تحصل عليه الاردن سنوياً كمساعدات، في حين أن العلاج والتعليم ليس مجانياً. واليوم يدرسون امكانية رفع المخالفات وجعل الاقامة لستة أشهر.

هناك من يزعم بأن العراقي بات يسأل على الحدود عن طائفته، وبعض الدول الخليجية متشددة مع العراقيين، في حين أنه يفترض بهما مساعدتهم. لكن كما عبر أحد الدبلوماسيين السعوديين السابقين "لا يريدون اغضاب الولايات المتحدة". بالمقابل، هناك عراقيون بنسبة مرتفعة يعيشون في إيران منذ 30 سنة ولا يملكون جوازات سفر. أما في اليمن حيث لا يتجاوز عدد العراقيين 60 ألفاً، أصبح هناك ضرورة لتأشيرة دخول بعد أن كانت غير موجودة، لكن القيود ليست شديدة أو مكلفة والمعاملة جيدة. الحصول على عمل جامعي يبقى أسهل، حيث أن فرص العمل تغطى من غير اليمنيين. والإقامة المربوطة بعقد العمل تجدد سنوياً. لكن هناك تدابير أمنية بفعل الخوف من تكرار النموذج العراقي.

أما في البلدان الغربية فحدّث ولا حرج. فإن أعطت أوروبا اللجوء فهو للنخبة. والولايات المتحدة تتاجر برقم 7 آلاف عراقي سيقبلون وهم غالباً ممن عملوا معها. أما كندا فتشترط امتلاك مائة ألف دولار وحمل شهادة عالية لمنح العراقي الجنسية الكندية. استراليا تفضل اللاجئين من متوسطي العمر لإعمارها. وهكذا دواليك.

7- العراقيون في  سورية

لجوء العراقيين إلى سورية حصل على دفعات وضمن عدة موجات. الأولى كانت في أواخر الثمانينات وضمت حوالي مائة ألف شخص شكلوا كتلة سياسية مؤلفة من شيوعيين وقوميين وديمقراطيين ومعارضين لنظام صدام حسين. ثم ما لبثوا أن غادروا بعد حين لبلدان لجوء أخرى. تبعتها موجة ثانية بعد الحرب العراقية-الإيرانية وبلغت ذروتها في 1991 من جنود فارين من شمال العراق إلى سورية. وكما الدفعة الأولى، لم يحصل توتر بينهم وبين المجتمع المستقبل. وما لبثوا أن وجدوا أماكن لجوء لهم في بلدان أخرى. الموجة الثالثة قدمت لسورية مع الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق وكانت تبحث عن فرص عمل. منها من عاد لبلده ومنها من وجد منافذ إلى الخارج. أما الموجة الرابعة فهي الأكبر، حيث تتكون من حوالي مليون ونصف إلى مليون وثمانمئة ألف يعيشون حالياً في سورية. بمن فيهم الذين أتوا في الصيف لرؤية أهلهم (وهناك من يقدم رقم مليونين باعتراف غير رسمي حيث ما عدا المسجلين بدائرة الهجرة والجوازات، يقولون بأن الباقي هرّب لسورية لقاء دفع رشوة). وهذه الهجرة تحتوي على تنوع طائفي بعد أن كانت في البداية سنية ثم مسيحية، بعكس ما حصل في الثمانينات عندما كانت الهجرة من الطائفة الشيعية. ويوجد تخوّف من موجة خامسة يمكن أن تحصل في المستقبل القريب، أي بعد التقسيم الذي ظهرت طلائعه. وهذا يتوقف على قدرة المقاومة على افشال المخططات الأمريكية، رغم كل العناد الذي نشهد ترجمته على الأرض لتحقيق الأهداف التي رسمتها الولايات المتحدة من احتلالها العراق.

هذه الموجة الرابعة تضم شريحة أساسية من المهددين والمطلوبين الذين حاجتهم للمعونة قليلة كونهم أصحاب امكانيات من سياسيين ومسئولين وقادة وضباط وأجهزة أمنية سابقين. كذلك يوجد اكاديميين ومختصين تعرضوا للتهديد. أما الشريحة الثانية فهي من غير المهددين ومن أصحاب الامكانات المادية والتجار الذين تعرضوا للابتزاز ونقلوا أموالهم. قد يكون حوالي نصف هذه الشريحة بحاجة لعلاج، وبسبب الوضع الأمني وتحول المؤسسات الطبية في العراق لمراكز أمنية للميليشيات، كان عليهم أن يبحثوا عن الآمان خارج بلدهم. الشريحة الثالثة هي من المهددين لسبب طائفي وتطهير عرقي ومن الموظفين الصغار المنتسبين لحزب البعث.

مقابل الميسورين (قد تكون نسبتهم 10 بالمائة) الذين جلبوا معهم الكثير من الأموال استثمروها في شراء عقارات ومشاريع تجارية ومساكن، حيث في قرى الأسد وحدها يوجد ما لا يقل عن ألفي فيلا، هناك الباقون، ممن يحتاجون لمساعدة بشكل أو بآخر. هناك شريحة اضطرت لبيع ممتلكاتها عندما تمكنت من ذلك قبل الفرار من بلدها. والهروب في ظروف صعبة لا يسمح دوماً بالاستفادة من الممتلكات. كما وأنه ليس من السهل بيع الشقة عندما تسرق نوافذها مثلاً، أو الخروج بأموال عندما توضع يد اللصوص على السيارة أو أثاث المنزل. منهم من يعود مضطراً للعراق بعد أن صرف ما لديه من مدخرات ولم يجد طريقة لتأمين مستلزمات حياته بفعل الحرمان من الحق بالعمل في البلد المستضيف والحرمان من رواتبهم وتقاعدهم في البلد الطارد. أو لأن تعليم ابنائه الجامعي غير مؤمن ولكل السنوات الجامعية أو ما شاكل ذلك من اشكالات. وهناك الباقون الذين لا يستطيعون لا العودة ولا العيش في سورية، فيعملون جاهدين للحصول على اللجوء في بلد اجنبي يضمن لهم الحد الأدنى من شروط العيش، وهو ما يسمى بالتوطين. والتوطين لا يتوفر إلا لقلة قليلة تعتبر نفسها محظوظة (المسيحيون أكثر من غيرهم)، أو للذين تعاملوا مع الاحتلال حيث معايير اللجوء الصارمة لا تطال فئتهم. كثيرون من هؤلاء يعيشون في السيدة زينب وجديدة عرطوز وجرمانة ومخيم اليرموك والتل، كما ويتحول قسم منهم إلى المحافظات الأخرى بفعل الضغط السكاني وارتفاع الأسعار في العاصمة. هؤلاء جميعاً يحتاجون للمساعدة، في الوقت الذي لا يسمح به للمنظمات الانسانية بالعمل عليهم ومساعدتهم.

في منطقة السيدة زينب تتبدى الكثير من مظاهر البؤس ويشاع أنها تحوي الأكثر فقراً وجهلاً. يمكن أن نجد عدة عائلات في شقة واحدة يعيشون على وجبة واحدة في اليوم، أو عدة رجال محشورون في غرفة واحدة لتقاسم الآجار وقد تركوا عائلاتهم وأتوا ليبحثوا عن مصدر رزق. وفي حين منهم من كان من وجوه المجتمع، باتوا يقبلون القيام بأعمال خدمات بما فيه عتّالين. لقد خبروا بعد حياة العز والشموخ حياة الذل والمهانة حتى ولو عاش المرء عند قريب أو أخ. عند زيارة الشوارع القريبة من المزار يشعر المرء، وكما عبر عن ذلك أحدهم، وكأنه "في بغداد في منطقة علاوي الحلة أو في الكاظمية المقدسة، من خلال أسواق المنطقة المشابهة الى حد كبير لهاتين المنطقتين البغداديتين، وللتواجد المكثف للعراقيين في هذه المنطقة الذي انسحب على أسماء المحال والمطاعم وأصناف المأكولات العراقية، حتى سمي الشارع الذي يبعد قرابة 50 متراً من مرقد السيدة زينب بشارع العراقيين. ومن المفارقات اللطيفة أن نجد في شارع العراقيين عددا من أصناف الأسماك العراقية التي تأتي خصيصا من العراق. لقد اختاروا هذا المكان بسبب قرب الأجواء فيه من طبيعة الاجواء العراقية, بما يخفف عنهم الشعور بالغربة عن بلدهم وناسه ".

دمشق لم تعد فقط محطة للعراقيين الفارين من جحيم الحرب في بلادهم، بل تحولت خاصة خلال هذا الصيف إلى ملتقى يجمع العائلات التي انقطعت عن بعضها خلال سنوات بفعل الهجرة إلى بلدان بعيدة. ويمكن أن نسمع تفاصيل كثيرة عن الحياة في العراق لا تحفل بها الجرائد أو تنقلها الفضائيات، من خلال ارتياد المقاهي والأماكن العامة التي يرد إليها اللاجئون العراقيون حيث يلتقون. فيشعرون ببعض دفء ويسمعون شيئاً عن أخبار بلدهم.

أما بما يخص تعليم الأطفال العراقيين، فهناك أمل بأن يدخل هذه السنة إلى المدرسة أكثر من 75 ألفاً منهم، علماً أن سورية لا تطبق التعليم الالزامي. لكن المشكلة الكبرى تكمن في التعليم العالي، بسبب تحديد معدلات لقبول الطلاب في اختصاصات معينة، كما أن هناك نظاماً خاصاً يطبق على الوافدين العرب والأجانب لمعاهدها. مبالغ لا يستهان بها يجب دفعها للجامعة ما عدا المستلزمات الأخرى، من مثل ستة آلاف دولار للطب وخمسة للهندسة، الخ. يضاف لذلك أن المعادلة ورغم دفع الرواتب المستحقة، تؤخر الطالب سنة دراسية. كما وأن الدراسة تتم عموماً باللغة العربية في الجامعات السورية في حين أنها بالانكليزية في العراق. وإن كان هناك من تسهيلات من القيادة القومية لحزب البعث الحاكم، تبقى المقاعد محدودة، والأقربون أولى بالمعروف. والتعليم الخاص ليس من السهل بلوغه للاجئ ليس له من مورد ثابت ومرتفع. وقد تمت مناشدة بعض الدول العربية ذات الامكانات للاستثمار في مشاريع بناء جامعات، لكن لا حياة لمن تنادي. و بعض المستثمرين العراقيين أو السوريين لهم مصلحة في ذلك. أما الجامعة العربية فعليها أن تحرك ساكناً كونها مسئولة أيضاً عن أن لا تترك شعب العراق يستشري فيه التخلف العلمي.

من ناحية أخرى، وحيث أن الاحتلال أفرز عصابات سرقة ونهب ومافيا منظمة لاختطاف الأطفال والنساء، كان لا بد أن نسمع بتجارة الرقيق. فحسب ناشطات في جمعية نسائية، يباع الطفل والعذراء بعشرة آلاف دولار ويسفّرون عبر الكويت وتركيا واليونان وقبرص لبلدان الخليج ولليلة واحدة، ثم تخرج الفتاة لسوق الرقيق الأبيض. لكن ليس من قدرة على رصد هذه الحالات أو التبليغ عنها، حيث يفترض وجود مركز يعمل على هؤلاء. ولذلك هناك محاولات للتنسيق مع الاتحاد النسائي السوري من أجل إيجاد غطاء للعمل من خلاله، بفعل انعدام الوضع القانوني للجمعيات غير الحكومية. 

 لكن من المؤكد وجود شبكات دعارة لاستغلال نساء عراقيات في سورية، خاصة وأنه يتواجد عدد كبير منهن دون موارد أو معيلين. والحاجة أم الإذلال وليس فقط الاختراع. أما أن يشكل ذلك ظاهرة، كما يمكن أن نسمع هنا وهناك، فالأمر غير مؤكد. لقد حاولنا استقاء المعلومات من مصادر مختصة. وتبدّى لنا أن عدد النساء العراقيات اللواتي يعملن في هذا السوق في سورية جد متواضع. وهو لا يستحق الحديث عنه نسبة لعدد جالية عراقية ضخمة توجد فيها كل ألوان الطيف وكل الشرائح الاجتماعية تقريباً. لكن يبقى أنه في كل مجتمع هناك نسبة تُدفع لدوافع ذاتية أو لظروف خارجية لارتكاب الجرائم أو السرقات أو الدعارة. أما أن توجد شبكات تسوق لتجارة الجنس فهذا أمر مؤكد، كما هو حاصل في كل بلدان العالم. لكن يجب أن يلاحق من يعمل بتجارة الرقيق وليس من يزج بهم، وأحياناً كثيرة عنوة عنهم، في هذه السوق التي تجمع بين غسيل الأموال وتجارة البشر وتهريب المخدرات.

كذلك نلفت النظر إلى أن الخوض في هذا الموضوع قد يكون شائكاً لسبب آخر غير مسألة الشرف والعار. وهو عندما يتعلق الأمر بزواج المتعة ووجوب التفريق بين ما هو زواج حقيقي وما لا يرقى لأكثر من عملية بيع جسد. والحروب تنعكس نتائجها في أول الأمر على الفئات المستضعفة، مع تحليل الفلتان والتشدد في التعبيرات الأبوية. والاحتلال كما يصادر الحق بالحياة، يصادر كذلك الحق بالحرية والكرامة عندما تصنّف المرأة كعاهرة وليس كإنسانة. فغياب الاستقرار السياسي والاقتصادي يحدث التطرف الذي يراوح بين الانفلات والتزمّت. بين فرض الحجاب قسرياً وجرّها لإسكات الموت والحرص على ما تبقى من الحياة ببيع جسدها بالشكل الأرخص، ويحيلها لوضع لا تستطيع أن تفرض فيه شروطها.

8- الجانب الاقتصادي

التقديرات تقول بأنه كان يلزم لسورية أكثر من عشر سنوات لبلوغ هذه الزيادة السكانية من مليون ونصف أو مليوني فرد في فترة وجيزة. ففي الحالات العادية، أي التزايد السكاني عبر الولادات، تترافق التغييرات السكانية بترتيبات موازية في ازدياد أماكن السكن وفرص التعليم والطبابة والعمل. لكن في هذه الحالة المفاجئة لحد ما والسريعة والمتواصلة، يفترض اتباع سياسات حكيمة تواكب التغيير دون أن يتحمل الشعب مضاعفاته. وفي هذا الوضع بواعث قلق على المستقبل، خاصة بغياب المساعدات الدولية الكافية.

هذه الهجرة نتج عنها جوانب سلبية كما أخرى ايجابية. ففي حين أن المستهلك استفاد من انخفاض أسعار السيارات نتيجة زيادة الطلب عليها، أشارت دراسة حكومية سورية أن العراقيين تسببوا بموجة غلاء غير مسبوقة طالت العقارات والإجارات بشكل رئيسي وزادت عن 200%، إلى جانب غلاء السلع الأساسية وخاصة المواد الغذائية. أما استهلاك الكهرباء فارتفع بنسبة 16%. وسورية شهدت تقنيناً في استخدام الكهرباء خلال صيف بالغ الحرارة وعلى مدى عدة أشهر. كما أن المياه شهدت أيضاً تقنيناً مكثفاً.

وفي حين يشكو فيه الشعب السوري من ارتفاع أسعار الكهرباء مع ما تولده هذه الزيادات من ارتفاع أسعار جميع المواد التي تدخل الطاقة الكهربائية في صناعتها، تمت زيادة الأسعار من جديد. ذلك وسط جدل حكومي لرفع مماثل لأسعار المشتقات النفطية جرى تأجيله من أجل تمرير الزيادة في أسعار الكهرباء. لكن العراقي ليس وحده المسئول عن هذا الارتفاع بل هو ضحيتها. ضحية جشع أصحاب رؤوس الأموال، الذين استفادوا أيضاً من الطلب الخليجي الذي تحوّل بقسم منه عن لبنان هذا الصيف. وضحية سياسة الحكومة التي يحملّها حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي وأحزاب معارضة أخرى المسئولية في تردي الحالة الاقتصادية. لقد اعتبر الحزب أن سياساتها الاقتصادية ترافقت بتوجيه الأنظار لللاجئين العراقيين الهاربين من الاضطهاد والفتن والحروب الداخلية ومحاولة تحميلهم جزءا من المسؤولية والاتجار بقضيتهم دولياً وإقليمياً. ذلك في الوقت الذي لا يزال معظم هؤلاء يصرفون من أموال احضروها معهم من بلدهم أو من أقاربهم في المهجر، ومع تجاهل اعتماد الاقتصاد السوري لسنوات طوال على النفط العراقي الذي كان يأتي بالمجان أو بأسعار رمزية. الأمر الذي أدى لضخ الكثير من الأموال أو توفيرها على الميزانية السورية.

يقدر صندوق النقد الدولي كلفة اللاجئين العراقيين على الاقتصاد السوري بمقدار 1.3 مليار دولار (أي 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي)، في حين تتجاوز الأرقام السورية ذلك إلى 1.6 مليار دولار. لقد كلّف الدعم الحكومي للمواد الأساسية الدولة 340 مليون دولار، يضاف له تكاليف الدعم الصحي والتعليم المجاني والمياه المصروفة. ويدّعي البعض أن المالكي "عرض تقديم حصص غذائية للعراقيين الموجودين في سورية وشراء مواد غذائية من التجار العراقيين وتقديمها مجاناً للاجئين. إلا أن هذا العرض لم يحظ بموافقة حكومة دمشق، التي تفضل أشكالاً أخرى للمساعدة، ومنها الحصول على مشتقات نفطية وغاز بأسعار مدعومة". ولم يتوصل الجانبان لحل وقررا تشكيل لجنة لدراسة لتقديم مقترحات في شكل المساعدة. ووصف دبلوماسي عراقي مطالبة سورية لحكومة بغداد بالدعم على أنه «ابتزاز». كما نفى مستشار رئيس الوزراء العراقي أن تقدم بلاده على تزويد سورية بالنفط الخام العراقي بأسعار تقل عن أسعار الأسواق العالمية مقابل تقديم دعمها للعراقيين الموجودين على أراضيها. مؤكداً بأن المباحثات اقتصرت على تشكيل لجان ثنائية متخصصة بشؤون التربية والصحة وبعض الأمور الأخرى.

مع ذلك، لا يمكن انكار وجود جوانب ايجابية لهجرة العراقيين على المستوى الاقتصادي. فتوظيف ملياري دولار في مسالك الاقتصاد كان من شأنه أن يرفع الدخل القومي السوري لدولة سياحية تستفيد من النقد الصعب، علماً أن سورية لا تشترط كما في الاردن ايداع 20 ألف دولار في البنك لقبول الإقامة.

والفائدة ليست فقط مما يضخه اللاجئون العراقيون من أموال في شريان الاقتصاد السوري، وإنما أيضاً بما يشكله وجودهم من رصيد سياسي. واستعمال ذلك كورقة ضغط رابحة في المباحثات السياسية، التي أحياناً كثيرة ما تستفيد من عثرات الخصم ببراغماتية شديدة (وورقة الضغط هذه لا يستعملها واحدهم دون الآخر وإنما الطرفان معاً). كذلك هناك فائدة مما قد يدخل لصندوق الدولة من مساعدات طلبتها من المجتمع الدولي وتستحقها في مواجهة الوضع المأساوي للجزء الأكبر من اللاجئين اليها. لكن هذه الأموال ما زالت تتمنع على هذا البلد لأسباب سياسية، وللضغط عليه ضمن النهج المتبع في استهدافه كبلد ممانعة للسياسة الأمريكية في المنطقة، ولإحداث مزيد من المشاكل تأتيه هذه المرة عبر لاجئيه. لكن يقع على عاتق السلطات العراقية تأمين ما يكفي لاطعام شعبها المشرد في دول الجوار والاستجابة لاحتياجاته الأساسية. وإذا كان الفساد والرشوة والسرقة المنظمة لأموال العراقيين تجري على قدم وساق من قبل المحتل والمتواطئين معه، فما يفترض دفعه لمن تشرد خارج دياره لا يشكل سوى جزء يسير جداً من ثروات العراق.

9- الصورة والواقع

هناك جو عام شعرنا به من ملامستنا للواقع وأحاديث بعض من سمعناهم، غالبهم من شريحة اجتماعية وثقافية متوسطة وما فوق. يمكن أن نصف الصورة السائدة عن العراقي بأنها ككل الصور التي تكوّن عن الآخر وتختصر غنى شخصيته في بعض الخصائص السطحية والتي أحياناً كثيرة ما تكون فلكلورية وسلبية. ذلك رغم التشابه الكبير بين شعبين جارين تربطهم وحدة اللغة والثقافة والتراث الحضاري. لكن هي هكذا دوماً عند بعض البشر العلاقة بين الذات والآخر، بغض النظر عمن هو هذا الآخر. وعليه تتراءى عموماً الشخصية العراقية مختلفة ببعض جوانبها عن الشخصية السورية، و«"تتصف بالخشونة وقسوة الطباع إلى جانب الشعور بأنهم لا يتقيدون بالحدود التي يفرضها وجودهم  كضيوف في بلد فتح ذراعيه لهم وتحمل اعباءهم». وبهذا الوصف تجنّي ومبالغة بالتأكيد.

ينظر للعراقي كذلك على «أنه يتحلى بقوة شرائية أكبر من المواطن السوري، بما يسمح له بأن يشتري مواد غذائية أكثر ويدفع إيجار سكن أكبر، بحيث زاحم السوري في سكنه ومعيشته». وهذه الصورة لم تستوعب حقيقة وجود أعداد كبيرة من اللاجئين العراقيين الفقراء الذين يعتاشون على مساعدات عائلاتهم أو بعض تبرعات أو بقايا مدخرات. إباءهم وحده وربما معاناتهم في وحدتهم هي ما منعتهم عن إظهار حقيقتهم للعيان بشكل جلي. التململ من الوضع كان واضحاً عند محدثينا وكأنهم يلقون بلومهم على هؤلاء اللاجئين الذين أضافوا لأزماتهم أزمات أخرى. هذا على الرغم من استفادة شريحة واسعة من السوريين من وجود اللاجئين العراقيين ذوي الدخل العالي أو الامكانات المادية الجيدة. أضاف لذلك لجوء مجموعات بشرية كبيرة إلى مناطق تجمع سكانية مستقرة، أغلبها مناطق سكنية لذوي الدخل المتوسط أو المحدود.

مما عزز عند البعض من أبناء البلد الإحساس بالرفض ربما اللاواعي للقادمين الجدد الذين أقاموا في أحياء سمي بعضها بأسماء مدنهم العراقية. فهؤلاء لم يتنبهوا إلى أن قدوم اللاجئين العراقيين كان بمثابة العامل الكاشف للأزمات الاقتصادية والخدمية في سورية أكثر منه عاملاً مسبباً لها. لكن يمكن القول أنه ليس هناك من ظاهرة عدائية. وإنما يبقى الأمر محصوراً في الفعل ورد الفعل، علماً أنه في وضع كهذا هناك عموماً سهولة في تحميل المشاكل وأسبابها للآخر. هذا الآخر الذي وجد في وضعية أضعف بفعل عدم الانتماء للمكان وحمل جنسيته، وتضافر ذلك مع وضع اجتماعي واقتصادي غير مطمئن.

بالمقابل، غالب من قابلناهم من العراقيين كانوا يعبرون عن امتنانهم للسلطات السورية التي استضافتهم وعاملتهم بالترحاب، على عكس ما يحصل في بلدان عربية كثيرة حيث منهم من يعامل على الحدود كمجرم. كذلك اشادتهم بما قام به السوريون الذين فتحوا صدورهم وبيوتهم لهم عندما لجأوا لبلدهم وتصرفوا بأخلاق رفيعة وتضامن كبير من شأنه أن يمتص الكثير من التوتر الطبيعي في حالات كهذه. وهناك من عبّر عن خجله من مواجهة الشعب السوري حيث يشعرون بأنهم عبء عليه، خاصة وأن رواتبه بقيت هي نفسها في حين ارتفعت أسعار المستلزمات الأساسية بشكل كبير. وإن كان هناك من شئ يقولوه حول معاملة السلطات لهم فهي تبقى ملاحظات وتمنيات. أما الانتقادات فكانت من نصيب سلطات بلدهم والاحتلال ومن يمثل مصالحه ويتعامل معه.

10- الوضع القانوني

للحصول على الإقامة التي كانت في البداية تمنح لاسبوع ثم باتت تعطى لشهر، يطلب من اللاجئ الخروج للحدود وبعودته يحصل على تأشيرة تسمح له باقامة 3 أشهر مع شرط الحصول على عقد إيجار الشقة المسكونة. فالإقامة لا تعطى لغير السوري، إلا إذا كان متزوجاً من سورية أو مالكاً لعقار (والعقار لا يسجل باسمه بل باسم الشريك السوري، مما يضطره لرفع دعوى على شريكه والتحايل على القانون) أو مستثمراً أو هو او أحد أولاده يدرس في مدرسة أو كلية. والإقامة السنوية المؤقتة تجدد اوتوماتيكياً. أما في ما عدا ذلك فيعيش اللاجئ بين القلق والضغط النفسي للحصول على الموافقة فيما لو حصل. والإقامة لا تمنح الحق بالعمل، ومن يعمل يتحمل المسئولية كخارج عن القانون. أما فتح المشاريع الاستثماراية الصغيرة فتتم بإسم شخص سوري يكون شريكاً.

تشكو الحدود من الزحمة على معبر الوليد- القائم بوجود 3 شبابيك للرجال و2 للنساء، علاوة على التعرض لمشاكل أمنية وإلقاء القبض على بعض الأشخاص (وفي إحدى المرات دمرت 12 سيارة بركابها خلال خروج نصف ساعة للجهة العراقية). كذلك يعاني المسافر من طول الطريق الذي يربو على 380 كلم للوصول للمعبر ويقضي 6 ساعات، إضافة للتعرض لحوادث طرق ووفيات في حافلات النقل. أما كلفة التأشيرة فهي 20 ألف دينار عراقي (أي حوالي 15 دولار) يضاف لها 7 دولار مصاريف الطريق للذهاب والإياب. أي أن العملية برمتها تكلف 50 دولاراً. وهذا الأمر يتكرر كل أربعة أشهر. أضف لذلك أن العائلة بكاملها عليها الخروج للحدود، ولا يمكن لشخص واحد منها أن يحصل على تجديد الإقامة لأفراد أسرته. كما أن الشرطة العراقية تلجأ للضرب أحياناً لتنظيم العمل بفعل الزحمة والتدافع وغيره من أسباب. وهناك امكانية دفع رشوات لمن يستطيع ذلك ولا يريد تحمل هذه المعاناة. ومن يتأخر بالتجديد يعتبر مخالفاً ويحاسب بتقليص المدة من ثلاثة أشهر إلى شهرين أو يسجن ثم يُبعد. وعلى الحدود قد يطالب بغرامات رسمية وغير رسمية، حيث هناك ابتزاز من الجمارك والأجهزة الأمنية لدفع غرامات أو رشوات (على عكس ما يحصل في الأردن حيث يشبع الموظف كي لا يرشى).

كذلك من يستطيع أن يدفع مائة دولار يذهب للبنان، حيث الحدود آمنة ويجدد بعبورها اقامته. فشركة النقل تؤمن له التجوال بالباص لأربعة أيام وثلاث ليالي مع تقديم عشاء وفطور، اضافة ل 20 دولار لدخول بيروت أو جونية و20 أخرى لتأشيرة الدخول. بحيث يصرف ما مجموعه 140 دولاراً على الأقل. علماً أنه لا يحق لفرد بمفرده أن يدخل لبنان كي لا تسول له نفسه الهرب إليه. وكانت هناك محاولات للهرب إلى تركيا. كما وحصلت حوادث غرق لدى السباحة إلى الحدود الإيطالية واليونانية. ولمقارنة هذه المصاريف، يكلف من يريد الذهاب للسويد مثلاً بين 10 الى 18 ألف دولار يسددها للمهربين.

أما جوازات السفر المعتمدة فمتعددة. حالياً نوع الجواز المعمول به هو (N)، لكن ينته العمل به نهاية السنة، مثلما انتهى نوع (M). وهناك نوع (S)، الذي يتم الحصول عليه من السفارة خلال أيام قليلة بتقديم صور ووثائق تثبت الجنسية، لكن لا تقبله معظم السفارات. يوجد نوع آخر يسمى (G) ويتم إصداره في العراق حصراً. يتطلب الحصول عليه حوالي شهرين وهو يسمح بالسفر لبلدان العالم ومدته 11 سنة. الولايات المتحدة وقسم من دول أوروبا لا تقبل سواه. وفي حالة الضرورة يمكن أن يحول (S) إلى (G) لقاء رشوة تكلف 350 دولاراً، حسب المعلومات التي قدمها لنا المعنيون بالموضوع.

بعد انتهاء مهمة بعثتنا، علمنا أن وزارة الخارجية السورية طلبت من بعثاتها في الخارج بدء تطبيق الاجراءات الجديدة لدخول العراقيين، اعتباراً من 10 أيلول. وهي تلغي الاجراءات السابقة التي كانت تسمح بتجديد الحصول على الإقامة تلقائياً، بعد خروج العراقي الى النقاط الحدودية كل ثلاثة اشهر. حصر القرار الجديد بفرض تأشيرات دخول على العراقيين وتسديد رسوم مالية قدرها 50 دولاراً امريكياً عبر السفارة السورية في بغداد، وذلك على مبدأ المعاملة بالمثل وللحد من الاعداد المتزايدة من العراقيين الوافدين الى سورية. واقتصر منح تأشيرة الدخول بـ «أصحاب الفعاليات الاقتصادية والتجارية، أي اعضاء غرف التجارة والصناعة والزراعة بموجب شهادة من احدى تلك الغرف مصدقة اصولاً». كما سمح بمنح التأشيرة لـ «الشخصيات العلمية من اعضاء الهيئات التدريسية في الجامعات العراقية والمعاهد العليا اضافة الى مراكز البحث العلمي بموجب كتاب تعريف يصدر من الجامعة او المركز». وانحصرت صلاحية منح التأشيرة بالبعثات الديبلوماسية السورية وليس النقاط الحدودية كما كان الحال سابقً. كما اشترطت التعليمات الجديدة ايضاً ان يكون «طالب التأشيرة يحمل اقامة في البلد المعتمدة فيه البعثة او مذكرة تعريف من البعثة العراقية».

هذه الإجراءات محاولة لوقف تدفق العراقيين لسورية، حيث يصل عددهم الى 30 ألفاً شهرياً، مع ازدياد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وارتفاع مستوى الجريمة في البلاد، كما صرح وزير الخارجية. ولعدم قيام المجتمع الدولي بالتزاماته وامتناع الحكومة العراقية عن مساعدة اللاجئين. على أن يتم "تنظيم" الموجودين عبر عدم السماح بوجود مخالفين للقوانين السورية، من دون أن يعني ذلك "طرد جميع العراقيين"، علماً وأن وضعهم الأمني ضاغط وليس من السهل السيطرة عليه. كما وقررت الحكومة السورية إدخال تعديلات جديدة على قرارها هذا، تتضمن السماح لـ "الطلاب الدارسين في سورية بموجب تقديم وثائق رسمية" بالحصول على التأشيرة.

ازاء ذلك صدر بيان عن مكتب رئيس جبهة التوافق العراقية طلب فيه من وزير الخارجية السوري العمل الجاد من أجل الغاء الاجراءات الجديدة مبيناً الاضرار التي ستلحق باللاجئين العراقيين في سورية جراء تطبيق تلك الاجراءات. ووعد وليد المعلم بعدم شمول الاجراءات الجديدة العراقيين المتواجدين في سورية وعدم اتخاذ أي قرار من شأنه الضرر بمصلحتهم. "وقد خيمت، حسب متابع، جراء القرار أجواء موحشة على العراقيين الموجودين في سورية وبات القرار شغلهم الشاغل. الأمر الذي جعل عشرات الآلاف منهم يسرعون لدخول سورية قبل انتهاء الموعد المحدد، وآلاف أخرى ممن أوشكت اقامتهم على النفاد يسرعون بالخروج والدخول مرة أخرى من أجل الحصول على آخر 3 أشهر بعيداً عن آلة القتل والتدمير في العراق".

هذا القرار أغلق للأسف أحد آخر المنافذ للعراقيين الذين يحاولون النجاة بأنفسهم من الوضع الامني في بلادهم، وخاصة بعد ان كانت دول الجوار قد فرضت قيوداً كثيرة على العراقيين. وقد اتفقت دمشق وبغداد على تشكيل لجنة مشتركة، يرأسها وزيري الاقتصاد والتجارة في البلدين، لتقييم وضع العراقيين في سورية، وتقدير كلفة تواجدهم هذا على الاقتصاد السوري، بهدف تعويض البلد المستقبل. وكان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد أخذ علماً، حسب بعض المصادر، خلال زيارته لدمشق في آب/أغسطس، بتطبيق سورية لنظام جديد كطريقة للحد من تدفق اللاجئين، ب"موافقته الكاملة" على القرار. ووعد بمساعدة الحكومة السورية على تحمل أعبائهم. في حين اوضحت مصادر اخرى ان جهات سورية "لم تكن مرتاحة لمقاربة المالكي لمسألة اللاجئين وعدم ابدائه الاستعداد لمساعدة رعايا بلده، ولحديثه أن معاناة الموجودين في الداخل اشد من الموجودين في الخارج، وأن دعمهم يؤدي الى تشجيع الناس على الخروج من العراق". وطالبت الحكومة السورية الدول العربية بانشاء صندوق عربي لدعم الدول التي تستضيف لاجئين عراقيين لديها.

قرار الحكومة السورية لم يأت اعتباطاً، بل جاء، حسب مصادر أخرى، بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي «لم يتجاوب مع مطلب تحمل عبء وجود العراقيين في سورية». فهو «لا يريد تقديم المساعدة كي لا يشجع العراقيين على الخروج بمساعدة الذين يهربون وليس الذين يبقون ويتحملون الوضع»، اضافة الى «رغبة ضمنية بتحميل دول الجوار المسؤولية الأمنية في بلاده». نلفت إلى أن دمشق كانت قد شددت سابقاً من اجراءات دخول العراقيين، إثر زيارة الرئيس العراقي جلال طالباني في بداية العام الجاري. ثم عادت وتساهلت بإعطاء تأشيرة لمدة شهر على ان يخرج المعني الى الحدود لتجديدها لثلاثة أشهر. ذلك بعد ظهور اهتمام دولي بأزمة اللاجئين في دول الجوار، تمثل بانعقاد مؤتمر الدول المانحة في جنيف منتصف نيسان (ابريل) الماضي وانعقاد لجنة العمل الخاصة باللاجئين المنبثقة من مؤتمر «أمن العراق» في شرم الشيخ.

11- المفوضية العليا للاجئين

كان لنا بالطبع زيارة للمفوضية العليا للاجئين التي يرى بعض العراقيين أنها لا تقدم شيئاً يذكر. كون منظمات الأمم المتحدة تخضع للإرادة الأمريكية ويفرض عليها الصمت والتعامل بلا مبالاة لإخفاء المشروع الأمريكي. كذلك تتعالى شكاوى من فساد بعض الموظفين فيها، ومن أنهم لا يقدمون أية تسهيلات، ومن البيروقراطية التي تطبع عملهم، ومن أن خروج العراقي المسجل للعراق يفقده وضعه كلاجئ. كما وأن عدد العراقيين القليل المسجلين لديها مرده لعدم جدوى ذلك وضعف فاعلية هذه المؤسسة. خاصة وأن الانتظار في صفوف طويلة ولساعات قد لا يثمر، بحيث على المراجع أن يعود مرة أخرى والعود على بدء. لكن هذا لا يعني أن محدثينا لا يعترفون بوجود فئة من الموظفين تعمل بتفاني وبتعاطف مع أوضاعهم، ولو أنهم قد يفضلون عراقيين يفهمون مشكلتهم أكثر. لكن يعترفون بأن حجم المشكلة يتعدى طاقتهم على استيعابها.

وإن كان كثيرون من العراقيين لا يسارعون لتقديم طلبات لجوء للأمم المتحدة فلإنعدام الثقة بها. وللجهل بآلية عمل الأمم المتحدة. ولوجود شكاوى من أن المقابلات تحدد بعد عدة أشهر وفي منطقة دوما بسبب الزحمة على المركز في العاصمة وطوابير الانتظار وكلفة النقليات. بالمقابل هناك من "يذهب لجهنم" لقاء تأمين وضع لعائلته أكثر استقراراً بالحصول على الحماية المؤقتة التي مبدئياً تحمي من الطرد أو الترحيل أو العودة القسرية في حال تغير الوضع في البلد الأم. كذلك قد تؤمن اقامة في بلد أجنبي يحترم حقوق اللاجئ ويمنحه الحق بالعمل والعيش بكرامته، علماً أن اللجوء الإنساني تتحمل الدولة المضيفة أعباءه.

ردت المفوضية على هذه الانتقادات بالاعتراف بعدم القدرة على متابعة هذا الكم الهائل من اللاجئين. وبضعف الامكانيات المالية حيث لا تستجيب الدول المتبرعة لمطالبها كما يتوجب. وبأن جزءا من المساعدات يذهب للأعمال الإدارية. وبأن البيروقراطية موجودة ولكنها ليست سمة عملهم. ومنذ بداية هذه السنة بدأوا بتسجيل اللاجئين بشكل أكثر دقة، خاصة منذ اتخاذ قرار سياسي في شهر شباط يقضي باعتبار جميع المواطنين من جنوب ووسط العراق لاجئين، بغض النظر عن وضعهم