المتاجرة بالموتى وابتزاز الشعب الألماني!

بقلم: نصر شمالي   
قبل أيام قليلة زارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فلسطين العربية المحتلة، لتعزيز وتطوير العلاقات الاقتصادية الألمانية الإسرائيلية، وللتأكيد على التحالف الاستراتيجي بينهما، وللمشاركة في احتفالات الذكرى الستين لتأسيس الكيان الصهيوني، وللتعبير عن الندم والإقرار بالذنب غير القابل للغفران إلى الأبد الذي ارتكبه الشعب الألماني (وليس حكومته فقط!) بحقّ اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية! وكانت ميركل قد صرّحت في برلين عشية الزيارة (15/3/2008) أنّ ألمانيا سوف تتحمّل دوماً مسؤولياتها إزاء النازية الألمانية والمحرقة اليهودية (الهولوكست) مضيفة أنّ التهديدات (العربية والإيرانية طبعاً!) التي تتعرّض "إسرائيل" لها هي تهديدات لألمانيا أيضاً!
إنّ العرب والناس عموماً لا يملكون وهم يتابعون أخبار زيارة ميركل وتصريحاتها سوى مشاعر الحزن والأسف وهم يرون المستشارة الألمانية كالأسيرة التي لا تملك من أمرها شيئاً، مثلها مثل جميع المستشارين الألمان الذين تعاقبوا على حكم ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قبل أكثر من ستين عاماً، ولذلك فإننا لن ننتقدها ونجادلها حول أقوالها وأفعالها المفروضة عليها فرضاً من واشنطن، بل سنكتفي بالتذكير بمأساة الشعب الألماني الذي وقعت كرامته وسيادته تحت براثن وأنياب الصهيونية الأميركية الإسرائيلية إلى الأبد إن أمكن ذلك!
لقد عانت الطوائف اليهودية من ويلات الحرب مثلما عانت جميع الشعوب، ومن جهة ثانية فإنّ الجرائم التي ارتكبت لم تكن وقفاً على النظام الألماني وحده بل ارتكبت مثلها وأكثر جميع الأنظمة الغربية المتحاربة، لكنها ألصقت جميعها بالألمان مضافاً إليها ما لفّق من أكاذيب أشدّها فظاظة وهولاً تلك الأكذوبة عن غرف الغاز الألمانية التي كانت تجري فيها عملية "إبادة الجنس اليهودي"!
غير أنّ الأكذوبة الصهيونية لم تصمد سوى بضع سنوات ريثما نجح المنطق العلمي في التغلب على غوغائية ما بعد الحرب والمجاهرة برأيه، ففي 9/8/1960 نشرت صحيفة "دي زاي" رسالة عنوانها " لم يعدم أحد بالغاز"! وقعها الدكتور بروزات أحد المناهضين للنازية عن عقيدة وأحد المؤرخين الرسميين لعمليات الإبادة المزعومة بالغاز، ومنذ ذلك اليوم التاريخي الهام بدأت الأبحاث العلمية تتوالى نافية من الناحية التقنية المحضة إمكانية الإبادة الجمعية بواسطة غرف الغاز، أي أنّ ذلك لم يكن موقفاً سياسياً!
لكنّ ما حدث هو أنّه كلّما ظهر المزيد من البراهين العلمية، التي تنفي تقنياً حكاية المحرقة أو الهولوكست، كلما ازداد الأميركيون والإسرائيليون تشبّثاً بالأكذوبة وإصراراً على تأكيدها، مستخدمين في تشبّثهم جميع وسائل الضغط والإرهاب والإكراه! فعلى سبيل المثال شهدت أوروبا والولايات المتحدة، في العام 1992، حدثين متناقضين وفي وقت واحد، فمن جهة أعلن في لوس أنجلوس الأميركية أنّ المؤرخين المراجعين عقدوا مؤتمرهم الحادي عشر (15-16/10/1992) بهدف دحض أكذوبة المحارق النازية مرّة أخرى وأخرى، وهم جميعاً من الأوروبيين والأميركيين المتطوعين لهذا العمل النبيل والشجاع بمحض إرادتهم، وفي المقابل، وفي الوقت نفسه، أبلغت رئيسة البرلمان الألماني رئيس الكنيست الإسرائيلي أنّ ألمانيا سوف تقدّم مائة مليون مارك لليهود الناجين من المحرقة التي نظّمها النازيون، فكأنّما هي تردّ على مؤتمر لوس أنجلوس بعد أن أوعز لها الحكام الأميركيون بذلك! وهاهي اليوم زميلتها المستشارة ميركل تفعل الفعل نفسه وقد تعاظم أكثر فأكثر رفض الأكذوبة الصهيونية سواء في ألمانيا أم خارجها!
لقد نهضت الأكذوبة الصهيونية على تلك الكميات من الصور لأكوام من الجثث، وعرضت الصور الفوتوغرافية والسينمائية على الرأي العام العالمي (بسرور وحماسة!) على أنها صور جثث اليهود الذين أبيدوا في غرف الغاز الألمانية، بينما الذين عرضوها أنفسهم كانوا يعرفون أنهم يكذبون، ويطمئنون إلى أنّ من الصعب مواجهة المنتصرين بأنهم يكذبون! وعلى أيّة حال فتلك الأكذوبة كانت باباً من أبواب التجارةً، فهم كانوا ولا يزالون يتاجرون بالموتى، علماً أنّ ما عرضوه لم يكن سوى صور جثث الموبوئين الذين أهلكهم وباء التيفوس، وليست صوراً لضحايا إبادة الجنس اليهودي كما زعموا ويزعمون، فقد انتشر وباء التيفوس في أوروبا، أثناء الحرب، على أوسع نطاق خاصة في معسكرات الاعتقال الأوروبية عموماً، الألمانية وغير الألمانية، غير أنّ ابتزاز الشعب الألماني المغلوب في الحرب، والمغلوب على أمره بعد الحرب وعلى مدى عشرات السنين، اقتضى اختلاق الأكذوبة والمتاجرة بجثث الموتى التي تحقق للإسرائيليين بلا انقطاع عائدات مالية خرافية ينتزعونها من الألمان!
لكنّ ذلك كلّه لا يجوز أن ينسينا نحن العرب أنّه لو ربح هتلر ونظامه النازي تلك الحرب فإنّ برلين كانت ستصبح المركز الأول لهذا النظام العالمي الاحتكاري الربوي بدلاً من واشنطن، ولصارت الحركة الصهيونية اليهودية تابعة لبرلين وليس لواشنطن، ولكان حزب حيروت هو المؤسس للكيان الصهيوني وحاكمه في بداياته وليس حزب العمل، حيث قادة حيروت من أمثال جابوتنسكي وبيغن وشامير كانوا من أتباع النازية والفاشية الأوروبية، أما قادة حزب العمل من أمثال بن غوريون وغولدا مائير فكانوا من أتباع الديمقراطيات والاشتراكيات الأوروبية والأميركية! لقد كان الصهاينة اليهود موزّعين على الجبهتين، وجاهزين للالتحاق بالمنتصر سواء أكان ألمانياً أم أميركياً!
كان هتلر سيضع يده في حال انتصاره على فلسطين والبلاد العربية، وما كان ليمانع على الأغلب في إقامة الكيان الإسرائيلي التابع له، ولو أنّ ذلك حدث لرأينا اليوم ميركل الإنكليزية وليس ميركل الألمانية تزور فلسطين المحتلّة، وتشجب جرائم الإنكليز وليس الألمان ضدّ اليهود!