بقلم: د. محمد خلف
دعوة مدعي عام محكمة التمييز التركية عبد الرحمن يالتشين قايا من المحكمة الدستورية حظر حزب العدالة و التنمية الحاكم ومنع زعيمه رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان و رئيس الجمهورية عبد الله غول و 69 شخصا اخر من ممارسة العمل السياسي، اربكت الاقتصاد التركي الذي يعاني اصلا من الفوضى على الرغم من النمو الاقتصادي الجيد، اذ وفق الخبراء ان البلاد تكبدت في يوم واحد فقط اكثرمن 20 مليار دولار خسائر، مع تراجع البورصة التركية فيما عرف ب" الاثنين الاسود" بمعدل 7،46 %، وتراجع سعر صرف الليرة امام اليورو و الدولار وارتفعت الفوائد الى 18،35 %.
الحالة الناشئة في تركيا اثر اعلان طلب قايا اعادت الى الذاكرة احداثا مماثلة في الماضي حينما تم العام 1997 حظر حزبين سياسيين اخرين لانهما ليسا علمانيين، او لانهما اسلاميين متشددين، هما حزب الرفاه بزعامة نجم الدين اربكان، وحزب الفضيلة الذي لقي المصير نفسهالعام 2001.
وتواجه المحكمة الدستورية الان تحديين، اذ ينبغي ان تقرر في مسألتين استثنائيتين، القانون الجديد الذي يجيز ارتداء الحجاب في الجامعات، واذا ما سيبقى الحزب الاسلامي الحاكم في السلطة ام لا؟. 
يرى المراقبون ان هدف قايا هو منع حزب العدالة و التنمية من تغيير دستور العام 1982 الرامي الى تقليص دور الجيش و القضاء العلمانيين ونفوذهما في الدولة. ووصف المحلل شاهين الباي في جريدة " زمان " المقربة من الاسلاميين ما يجري بانه " صراع سياسي لا علاقة له بالعلمانية "، معتبرا" ان الدعوى تمثل ضربة للاستقرار و لعلاقات تركيا الدولية " مشيرا الى " انهم يريدون معاقبة الحزب في قضية ارتداء الحجاب في الجامعات و انفتاحه على المسأله الكردية".
هذا فيما اعتبر نوراي ميرت في جريدة " راديكال" ان الامر يرتبط بازمة نظام وليس ازمة سياسية " وشدد المحلل علي بيرم اوغلو على " ان مايجري هو محاولة انقلاب عبر القضاء، وان الدعوى مقدمة و بداية لاغلاق حزب العدالة و التنمية".
وشن المحلل العلماني ديريا سازاك انتقادات عنيفة ضد طلب مدعي عام محكمة التمييز قائلا" ان تركيا يجب الا تسقط في التجربة الباكستانية، وانقرة لا يمكن ان تكون ديمقراطية حين تصبح مقبرة للاحزاب " معتبرا " ان معاقبة الاحزاب على اخطائها يكون فقط عبر الانتخابات".
ورفض المحلل في جريدة " جمهورييت " مصطفى بلباي اعتبار طلب المدعي العام قرارا سياسيا وقال " ان الحزب الحاكم خرج علينا ببدعة دستور جديد وفرض علينا خطته و سن قانون رفع الحظر على الحجاب في الجامعات معتبرا نفسه فوق القانون وان الشعب اوكله التحكم فيه".
ويحتدم التباين في الاراء و المواقف من طلب حظر العدالة و التنمية وتوجه الاتهامات المتبادلة بين المؤيدين و الرافضين، وتبدو تركيا الان منقسمة الى حد اللعنة على خلفية استقطاب سياسي و ديني وعرقي، والاتهامات طالت القضاء " الذي يسئ استخدام وظيفته" و " الرضوخ الى عصابات الجريمة المنظمة" حسبما ورد على لسان وزير الثقافة ارطغرل غوناي الذي قال " ان اغلاق حزب العدالة و التنمية يهدف الى سد الطريق امام محاكمة شبكة" ارغينيكون" المتغلغلة في هيئات الدولة، و المتهمة بالوقوف وراء العديد من الاغتيالات و التخطيط لعمليات اغتيال اخرى، من بينها محاولة اغتيال اردوغان نفسه".
الا ان زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض دينيز بيكال امتدح المطالعة التي قدمها المدعي العام مشيرا الى انها " لم تكن انفعالية و لاسياسية، وانما موضوعية و قانونية وفي اطار حدود المسؤولية".
وكان المدعي العام شبه الحزب الحاكم بالحركة النازية في المانيا و الثورة الاسلامية في ايران، وتضمنت مطالعته 61 تصريحا لاردوغان و16 تصريحا لرئيس البرلمان السابق بولنت ارينتش و10 تصريحات لرئيس الجمهورية غول عندما كان وزيرا للخارجية،تصب كلها في هدف اقامة دولة دينية.
وشكك اردوغان في امكان حظر حزبه وقال متحديا ان ما حدث سيزيد من اصوات ناخبيه في المستقبل، معلنا استعداده لخوض انتخابات جديدة.
ودخلت جمعية الصناعيين ورجال الاعمال الاتراك التي تعتبر الهيئة الاقتصادية الاكبر و الاهم في تركيا على خط المساجلات بعد ان اكتشفت ان الجنرالات ليسوا الجهة التي تقف وراء رفع الدعوى، اذ اعتبرت في بيان اصدرته " تصرف المدعي العام امرا غير مسؤول سيضر باقتصاد البلاد".
القوى الرافضة لالغاء الحزب الحاكم تتحرك لمنع استصدار مثل هذا القراروهي ليست مرتبطة فقط به، اذ سارع حزب الحركة القومية بزعامة دولت باهتشلي الذي لديه 70 نائبا في البرلمان الى طرح مقترح بتعديلات دستورية تحظر الاحزاب في حال ممارستها العنف وتلقيها اموالا من الخارج ويتعارض نظامها مع الدستور مستهدفا بالتحديد حزب المجتمع الديمقراطي الكردي الذي تدرس المحكمة الدستورية مسألة منع نشاطه و حظره، مقابل مقترح آخر لحزب اردوغان بتعديل المادتين 68 و69 من الدستوربحيث تزداد موانع و شروط اغلاق الاحزاب، وتطبيق معايير " البندقية" لدول الاتحاد الاوروبي التي تشترط ان يكون الدستور واضحا للغاية في طبيعة كل تهمة و عقوباتها، ليكون المخالف على معرفة تامه من دون اي اجتهاد.
لقد بدأت الاحزاب توقيع المذكرة التي تدعو الى تعديل الدستور الذي من المرتقب ان يتم في غضون 10 ايام، ووفقا للمصادر فان الحزب الحاكم ينوي اضافة فقرة تفيد بان التعديلات الجديدة تشمل الدعاوى التي فتحت ولم يصدر بعد حكم بشأنها، لكي يحمي نفسه من المنع.
من الواضح ان تركيا دخلت في مرحلة سياسية شديدة التعقيد، وسيشهد الوضع الداخلي تأزيما جديدا مع توجه جديد لدى الحزب الحاكم بطرح التعديلات الدستورية المحدودة على استفتاء شعبي يرفضه العلمانيون المتشددون الذين يعتبرونه وفق بيكال " محاولة من الحزب الحاكم لتحويله ضمنا الى الاختيار بينه وبين العلمانية، بينما العلمانية لايجب ان تكون موضع استفتاء".
ومن الواضح ان اردوغان على الرغم من محاولته استقبال المخاطر التي تهدد وجود حزبه و حكومته بمزيد من الهدوء و عدم المبالاة، الا انه مستفز للغاية و يتخذ قرارته بشكل متسرع خاصة ايعازه للقوى الامنية باعتقال اطراف يعتقد بانها تقف خلف قرار المدعي العام المتهم معها بالارتباط بمنظمة " ارغينيكون" معتقدا انها تشكل اطارا للتحرك ضد حزبه وفي مقدمتهم الصحافي العلماني المعروف وصاحب امتياز جريدة " جمهورييت" ايلهان سلجوق ورئيس حزب العمل دوغان بيرينيشك ورئيس جامعة اسطنبول السابق كمال علمدار ومدير قناة " اولوصال" فردي ايلسفير و اخرون.
بعض المحللين الغربيين اعتبر تصرف قايا " مفاجأة سيئة و خطأ كبيرا" ولكن الاكيد هو ان الديمقراطية في تركيا تواجه تحديا جديدا و اختبارا جديا لايمكن التكهن بنتائجه اولا، و لا معرفة ما يدور في ذهن المؤسسة العسكرية التي تراقب بصمت ما يجري بعد ان كان رئيسها الجنرال يشار بيوك خرج للتو من معركة قاسية مع القوى السياسية التي صبت عليه جام غضبها لايقافه العملية العسكرية في شمال العراق،وصف خلالها السياسيين بانهم " اسوأ من الخونة" لانهم وجهوا للجيش " اتهامات حقيرة وغير مبررة" حسب تعبيره.